من دفاتر النكبة (21): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (3)../ د. مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (21): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (3)../ د. مصطفى كبها

تطرقنا في الحلقتين السابقتين إلى الإطار التاريخي الذي عملت فيه أفواج جيش الإنقاذ التي عملت في فلسطين، ورصدنا القيود والقسريات العديدة التي عمل فيها هذا الجيش. وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى أهم المعارك التي خاضها.

تمحورت خطة العمل الميدانية لجيش الإنقاذ منذ البداية حول هجمات تكتيكية ضد مستوطنات ومواقع يهودية محصنة أو واقعة على مفارق الطرق الرئيسية وضمن هذه الخطة يمكن أن تقع المعارك التالية:

1. معركة قلعة جدين (يحيعام ):
تقع قلعة جدين (وهي قلعة تاريخية قديمة) في منطقة الجليل الأعلى، وهي منطقة مشرفة وحصينة تقع في منطقة وعرة يصعب الوصول إليها. وأقرب القرى العربية إليها هي قرى معليا وترشيحا.

حصل الهجوم على هذه المستوطنة في الليلة الواقعة بين 22-23 كانون الثاني 1948، وقد شارك فيه سرية من فوج اليرموك الثاني وبعض رجال جيش الجهاد المقدس بقيادة خليل محمد عيسى (أبو إبراهيم الكبير) أحد أهم رجال المفتي في الجليل وقائد منطقة الجليل الأعلى في فترة ثورة 1936 -1939.

بلغ عدد المهاجمين قرابة 120 مقاتلاً كانوا مسلحين بالبنادق والقنابل اليدوية وبعض المدافع الرشاشة. كان في القلعة حامية يهودية لم يزد عدد أفرادها عن الثلاثين.

هاجم جنود أبي إبراهيم القلعة بالبنادق الرشاشة والقنابل اليدوية ولكنهم لم يستطيعوا اقتحامها بسبب التحصينات القوية وحسن تسليح حاميتها. وعندما لم يفلح المهاجمون بالاقتحام ضربوا على القلعة حصاراً من جميع الاتجاهات بقصد إجبار الحامية على التسليم ولكن ذلك لم يحصل بسبب وصول الإمدادات للحامية من الجو بحيث جرى إسقاطها داخل القلعة، وقد استهلك المهاجمون معظم ما كان لديهم من ذخيرة ومؤن الشيء الذي أجبرهم في النهاية على إخلاء مواقعهم وفك الحصار عن القلعة لا سيما أنهم خسروا قرابة العشرين شهيداً في محاولات الاقتحام الفاشلة للموقع.

ومن الجدير ذكره هنا أن القوات اليهودية الواقعة في نهريا حاولت تمرير قافلة تموين وذخيرة إلى مستوطنة يحيعام المعزولة في منتصف آذار 1948، ولكن هذه القافلة أوقفت في قرية الكابري العربية وأبيد معظم من كان فيها. وقد تحدثنا عن ذلك في حلقة سابقة من هذه السلسلة تحت عنوان "معركة الكابري".

2. معركة الزراعة (طيرات تسفي):
الزراعة قرية فلسطينية من قضاء بيسان الانتدابي، وهي تنتمي لمجموعة القرى الفلسطينية التي كانت قد هجرت قبل عام 1948. وقد أقيمت على أراضيها مستعمرة طيرات تسفي.

كان قائد الهجوم على هذه المستوطنة الضابط السوري محمد صفا، قائد فوج اليرموك الأول، وقد وقف على رأس فرقة من المشاة بلغ تعدادها قرابة الـ400 مقاتل. حصل الهجوم في الليلة الواقعة بين السادس عشر والسابع عشر من شباط 1948. كان توقيت الهجوم بائساً ومفتاحاً للفشل، حيث كانت تلك الليلة ليلة شديدة الأمطار وقد غاص المهاجمون المشاة في الأوحال المحيطة بالمستوطنة التي أحاطتها خطوط الدفاع القوية والأسلاك الشائكة من كافة الجوانب. وبإمكان المتأمل لهذا التوقيت وتلك الظروف أن يتوقع مصير بضع مئات من المهاجمين المشاة يحاولون اقتحام حصون وقلاع وهم غائصون في الأوحال وفي الحصون قناصة مهرة جنبتهم حصونهم معاناة الأمطار الهاطلة والأرض الموحلة.

سقط في الهجوم قرابة 70 شهيداً ومثلهم عدد الجرحى. كان من بينهم بعض المتطوعين اليمنيين الذي أبلوا في المعركة بلاء حسناً، واستطاعوا الوصول إلى بعض التحصينات واقتحامها رغم قسريات الظروف واستحالة التقدم. وقد تعرض قائد الهجوم، المقدم محمود صفا، إلى الهجوم الشديد من الصحافة العربية في ذلك الوقت متهمة إياه بالتقصير وسوء الإدارة والتخطيط، ولكن ذلك النقد لم يجعل القيادة العليا تحرك بشأنه ساكناً.

كان للفشل في هذه المعركة التأثير المدمر على معنويات فوج اليرموك الأول ولم يقوموا بعدها بأي عمل عسكري مؤثر سوى بعض الحركات الاستعراضية التي تضمنت إقامة الحواجز على الطرق ومهاجمة بعض المركبات اليهودية السائرة عليها.

3. معركة مشمار هعيمق:
كنا قد تطرقنا في حلقة سابقة من هذه السلسلة لهذه المعركة، وعليه لن نطيل التفصيل بصددها ويكفي أن نذكر بأنها خططت وأديرت، هذه المرة، من قبل القائد العام للجيش فوزي القاوقجي.

وقد كان لفشل هذه المعركة، في المحصلة النهائية، الأثر الكبير في تدن المعنويات لدى جنود جيش الإنقاذ وبالأساس لدى المدافعين عن القرى الفلسطينية في مناطق الروحة ووادي عارة ومرج ابن عامر. فقد سقطت أثناء الهجوم المضاد الذي قامت به القوات اليهودية بين الثاني عشر والرابع عشر من نيسان 1948 على إثر تراجع قوات جيش الإنقاذ عن محيط مستوطنة مشمار هعيمق في التاسع والعاشر من الشهر ذاته كل من قرى الغبيات وقيري وأبو زريق وأبو شوشة والنغنغية والكفرين ودالية الروحة والريحانية من منطقة شمال - شرق الروحة، واختلت خطوط الدفاع في قرى السنديانة وبريكة وصبارين وخبيزة وأم الشوف في منطقة وسط وغربي الروحة إلى أن سقطت نهائياً في الثاني عشر من أيار من العام ذاته.

وقد شكل سقوط هذه القرى ضغطاً شديداً على قرى وادي عارة التي هاجمتها القوات اليهودية مراراً، وفشلت في احتلالها ككفر قرع التي هجر أهلها لمدة أحد عشر شهراً على اثر معركة دامية حصلت في الثامن من أيار 1948، ومعاوية التي هدمت بشكل شبه كامل، وكذلك قرى مصمص ومشيرفة التي تعرضت الكثير من منازلها للهدم جراء القصف وأعمال التفجير التي قامت بها جماعات "البالماح" اليهودية المسلحة.

وهكذا كانت نتائج المعارك الثلاث الكبيرة التي خاضها جيش الإنقاذ قبيل حضور القوات العربية إلى فلسطين فاشلة على الأغلب ومثبطة للعزائم والمعنويات. أما عن المعارك التي خاضها هذا الجيش بعد قدوم الجيوش النظامية، في منطقة الجليل تحديداً، وخاصة معركة هوشة والكساير فسنتحدث في الحلقة القادمة بمشيئة الله.