من دفاتر النكبة (22): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (4)../ د. مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (22): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة (4)../ د. مصطفى كبها

كنا قد تطرقنا في الحلقة السابقة لبعض المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ قبل وصول الجيوش النظامية العربية إلى فلسطين في منتصف أيار من العام 1948. وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى إحدى أهم المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ قبيل الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وهي معركة "هوشة والكساير" الواقعتين في الظاهر الغربي لمدينة شفاعمرو، والتي دارت رحاها في الفترة الواقعة بين الثاني عشر السادس من نيسان 1948.

كانت هذه المعركة، وما زالت، مثاراً للجدل وذلك لدخول اعتبارات كثيرة منها تتعلق بالتركيبة المذهبية لمقاتلي فوج جبل الدروز الذين شاركوا في القتال من جهة، ومنها يعود إلى العلاقة المركبة بين جنود جيش الإنقاذ بشكل عام وبين المواطنين الفلسطينيين أو مقاتلي جيش الجهاد المقدس التابع للهيئة العربية العليا من جهة أخرى.

بعد فشل القاوقجي، القائد العام لجيش الإنقاذ، في هجومه على "مشمار هعيمق" ورغبة منه في تخفيف الضغط على قواته في منطقتي وادي عارة وجنين، طلب من شكيب وهّاب، قائد فوج جبل الدروز المتمركز في منطقة شفاعمرو، أن يبادر إلى الضغط على المستوطنات اليهودية وخطوط إمدادها في المنطقة الواقعة بين شفاعمرو وحيفا.

ورد في الكتاب الذي يؤرخ للمعارك التي خاضها لواء "كرميلي" التابع لقوات "الهاجاناه" أن شكيب وهّاب منذ مجيئه لتلك المنطقة كان قد وطّد العزم على عدم مهاجمة المستوطنات اليهودية في المنطقة وذلك بناء على جملة من التفاهمات التي كان قد توصل إليها مع بعض الزعماء الدروز من جبل الكرمل والذين كانت تربطهم علاقات مع جهاز الشاي ( الجهاز الاستخباري التابع لمنظمة الهاجاناه والوكالة اليهودية ).

هذه التفاهمات، حتى لو صح حدوثها، لم تصمد على محك الاختبار بحيث قامت سرايا تابعة للفوج الدرزي، ونزولاً عند رغبة القائد العام لجيش الإنقاذ، بمهاجمة مستوطنة "رمات يوحنان" وكيبوتس "هيوتسريم" منذ مساء يوم الثاني عشر من نيسان.

اعتمد الهجوم في البداية على أعمال القنص وزخّات من رصاص البنادق والمدافع الرشاشة وذلك رغبة من المهاجمين بامتحان ردود الفعل والقدرات الدفاعية للحاميات اليهودية المرابطة هناك. وجه قائد الحامية من لواء كرميلي للمدافعين اليهود أوامر بضبط النفس وعدم الرد على النيران إلا بشكل محدود ومقتضب، وذلك كما يبدو لإيهام القوات العربية بضعف خطوط الدفاع وقوة نار المدافعين.

في يوم الثالث عشر من نيسان قامت سريتان من جيش الإنقاذ بمهاجمة منشأة تابعة لشركة "مقوروت" للمياه كانت تتحصن فيها سرية تابعة للواء "كرميلي" ومجموعة من عمال الشركة وذلك قبالة قرية الكساير ومحاصرتها بشكل كامل.

في الموجة الأولى للهجوم أصيب بعض أفراد السرية اليهودية الشيء الذي أوجب قيادة "كرميلي"، وبشكل عاجل، محاولة تمرير نجدات من المعدات والسلاح إلى جنود السرية المحاصرة. وعما جرى لتلك النجدات جاء فيما كتبه الضابط ش. كمينكار: "مباشرة بعدما تجاوز مقاتلو السرية الجدار الآمن تعرضوا لوابل من الرصاص. طلب يعقوب (القائد المحلي، م.ك ) من جدعون (قائد النجدات، م.ك ) أن لا يتم الوصول إلى منشأة المياه بشكل مباشر، وذلك لأن العدو الموجود بالقرب من تلك المنطقة سيبدأ بـ"حصدهم " الواحد تلو الآخر. وافق جدعون على تقديرات يعقوب هذه، ولكنه قال مع ذلك إنه تلقى تعليمات من جهات عليا وإن عليه تنفيذ ذلك بكل ثمن. نشب جدال شديد بين القائدين وذلك عندما رفض جدعون العودة إلى قاعدته دون تنفيذ التعليمات التي تلقاها حتى لو دفع حياته ثمناً لذلك. طلب جدعون من رجاله أن يركضوا بسرعة، وأن يعبروا حقل النار البالغ 150 متراً بالسرعة القصوى. كان هو البادئ بالانطلاق وكان رفاقه وراءه. فتحت نار شديدة على الفور، الأوائل نجحوا بالمرور في حين أصيب من جاء بعدهم ورجع الباقون".

كانت حصيلة محاولة المرور الفاشلة هذه قتيلين والعديد من الجرحى، ولم تنجح القوات اليهودية بإخراجهم إلا تحت جنح الظلام. وقد استغلت تلك القوات الظلام كذلك لإخراج النساء والأطفال من "رمات يوحنان" وكيبوتس "هيوتسريم" ونقلهم إلى "قريات بيالك".

في اليوم الثالث للمعارك قامت القوات اليهودية بهجوم مضاد انطلق من مستوطنة "كفار آتا"، واستهدف التلال التي حولها والتي سيطر عليها قناصو جيش الإنقاذ. شاركت في هذا الهجوم ثلاث سرايا تم استقدام اثنتين منها من منطقة "مشمار هعيمق" والجعارة. مني هذا الهجوم بالفشل الذريع، وعادت القوات على أعقابها وقد تكبدت المزيد من القتلى والجرحى.

قاد سرية جيش الإنقاذ في صد الهجوم اليهودي إسماعيل قبلان الذي قاد هذه السرية في غياب قائدها أبو الخير رضوان الذي كان وقت الهجوم على تل الشارعة في لقاء تنسيقي مع القائد الأعلى للفوج شكيب وهّاب في قرية الكساير.

يقول إسماعيل قبلان عن تلك المعركة: "تقدمت مع سريتين تحت غطاء نيران السرية الثالثة للفوج تقدمنا بسرعة داخل الوادي الذي كان مزروعاً بالحنطة، انتشرنا أسفل تل الشارعة وذلك عندما فتحت علينا النار من جهة مركز الشرطة البريطانية في شفاعمرو.... تقدمنا صعوداً جهة قمة التل وقمنا بمهاجمة اليهود ونحن نغني الأناشيد الحربية لجبل الدروز، قام جندي يهودي برمينا بقنبلة يدوية ولكننا وصلنا إلى وضع قتال وجه لوجه. عندما سمع اليهود صياحنا هربوا إلى داخل الوادي المؤدي إلى كفار عطا. اثنان من اليهود تمددا جنباً إلى جنب وأخذا يرمياننا بالرصاص، أحد جنودي رماهما بقنبلة يدوية التي انفجرت بقربهما وقد وجدتهما بعد ذلك ميتين".

وعن تلك المعركة كتب شكيب وهّاب تقريراً للقيادة العليا جاء فيه: "حصل العدو على نجدات من حيفا وحاول مهاجمتنا من الجهة الشمالية تحت غطاء من النيران الميتة. صمد جنودنا في مواقعهم والمعارك استمرت طيلة اليوم. لقد ضربناهم ضربة قاصمة وأوصلناهم ثانية إلى كفار عطا. كانت خسائر اليهود 200 قتيل على الأقل والكثير من الجرحى. لقد غنمنا الكثير من الغنائم. استشهد أربعة من رجالنا وجرح عشرة آخرون".

من الواضح أن شكيب وهّاب بالغ إلى حد كبير بالنسبة لأعداد القتلى اليهود ( ذكر 200 قتيل بدلاً من 12 قتيلاً ) ولكنه كان دقيقاً بالنسبة للوقائع على الأرض. هذه الوقائع التي أدخلت كافة الأطر القيادية العسكرية اليهودية في منطقة الشمال في حالة طوارئ قصوى قاموا على إثرها باستقدام لواء كامل ( 12 سرية مقاتلة ) من كافة قطاعات القتال لحسم المعركة في منطقة الهوشة والكساير، وكان الهدف احتلال هاتين القريتين وإخراج قوات جيش الإنقاذ منهما وتهجير أهلهما.

وهذا ما حصل بالفعل في اليوم الرابع للمعارك أي في السادس عشر من نيسان 1948. استعملت القوات اليهودية في الهجوم هذه المرة راجمات القنابل من عيار بوصتين ومدافع رشاشة حديثة هذا إضافة إلى استبدال كافة الوحدات المقاتلة بوحدات أخرى الشيء الذي لم يحصل لدى القوات العربية والتي قاتل مقاتلوها ثلاثة أيام كاملة دون راحة أو استبدال بقوات أخرى وقد جاؤوا إلى لحظة الحسم في اليوم الرابع وهم منهكون وخائرو القوى. استعمل جيش الانقاذ في هذه المعركة بعض المدرعات وقرابة 50 مدفعاً رشاشاً قد استبسلوا بالدفاع عن قرية هوشة التي استمر القتال فيها يوماً كاملاً بعد سقوط قرية الكساير. انتهت المعارك في هذه الجبهة في الليلة الواقعة بين 16-17 نيسان بانسحاب فوج جيش الإنقاذ من القريتين بعد تكبده خسائر فادحة في اليوم الرابع للمعارك. في حين تم تهجير السكان من القريتين وهدم معظم بيوتهما.