"تعدد الزوجات": تصعيد حكومي واختلاف في المواقف

"تعدد الزوجات": تصعيد حكومي واختلاف في المواقف
(توضيحية من الأرشيف)

قدّم طاقم يضم ممثلين من الوزارات المختلفة، خلال الأسبوع الحالي، تقريرَ توصيات يحتوي على معطيات جديدة تَظهرُ، لأوّل مرّة، بهدف "بلورة" خطة عمل لمواجهة تعدّد الزّوجات، بموجب قرار الحكومة الإسرائيلية الذي صدر في كانون الثاني/يناير 2017، بمبادرة وزيرة القضاء المعروفة بمواقفها العنصرية تجاه العرب، أيليت شاكيد.

وبيّنت المعطيات الإسرائيلية أن 6200 عائلة متعددة الزوجات تعيش في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها هضبة الجولان والقدس المحتلتين، كما بيّن أن 75% من الرجال متعددي الزوجات قد تزوجوا من امرأة أخرى واحدة فقط.

ويُعرف القانون الدولي تعدد الزوجات على أنه ظاهرة تميّز ضد النساء، وتشكل انتهاكًا أساسيًا لحقوق الإنسان، وعدا عن المس بحقوق النساء، فإن القانون الدولي يعتبر أن لتعدد الزوجات تأثيراتٍ عاطفية واقتصادية على المرأة والمرتبطين بها.

وتُنقص أطيافٌ كثيرة من المجتمع العربي في النقب والبلاد من مصداقية الرواية الإسرائيلية حول قانون "منع تعدد الزوجات"، الذي سبب تناقضا في الآراء والمواقف منذ بداية تداوله، حيث يرى الكثيرون أن الأسباب الحقيقية وراء فرض القانون والتي تظهر في تصريحات العديد من المسؤولين والمشرعين الإسرائيليين، ومنهم أعضاء حزب "البيت اليهودي" وغيرهم، على أن المحرك الوحيد والأساسي لمحاربة تعدد الزوجات هو الحرب على التكاثر الإنساني لعرب النقب والتعامل مع عرب النقب على أنهم خطر ديموغرافي على الأكثرية اليهودية، والجدير بالذكر أنه خلال 70 سنة من النكبة وبعد تهجير نحو 90% من فلسطينيي النقب، تضاعفت أعدادهم من 11 ألفا بعد النكبة، لتصل إلى أكثر من 240 ألف إنسان.

وتشير معالم المرحلة القادمة في تعامل السلطات الإسرائيلية مع ظاهرة تعدد الزوجات في البلاد والنقب بشكل خاص بحسب المراقبين، إلى أنها مرحلة فرض العقوبات، وذلك أنه في عام 2017 فتحت الشرطة 260 ملفا بشبهة ارتكاب مخالفة تعدد الزوجات، سُجل معظمها في مناطق جنوب البلاد، والتي تحولت إلى النيابة العامة الجنائية في المنطقة. وبلغ عدد الملفات التي تم تحويلها منذ مطلع العام الماضي وحتى اليوم 217 ملفا، قدمت في 12 منها لوائح اتهام.

إنصاف أبو شارب: التوصيات تعاملت مع القضية بشكل موضوعي

وقالت عضو اللجنة التي صاغت التوصيات عن تقديم التوصيات الأخيرة في قضية تعدد الزوجات، المحامية إنصاف أبو شارب، لـ"عرب 48":

"ساهمتُ في إصدار التوصيات الحكومية الأخيرة بشأن تعدد الزوجات من قناعتي بأن التوصيات المطروحة تناولت معظم جوانب القضية وتعاملت معها بشكل موضوعي، الأمر الذي دفعنا باتجاهه من خلال مشاركتنا في اللجنة الوزارية، وأهدف من خلال مشاركتي الشخصية، لاستغلال هذه الفرصة المهمة لتحسين وضع نساء النقب على كل صعيد ممكن ومنع الأطراف الحكومية المعنية بمعاقبة وملاحقة عرب النقب من شاكيد وغيرها بأن تسيطر أجندة العقاب على نتائج هذه اللجنة".

وأضافت: "أعتقد أن هذه اللجنة كانت فرصة حقيقة لتحقيق تغيير اجتماعي واقعي، ملموس على الأرض، لمصلحة النساء العربيات في النقب".

ما رأيك بالبعد القومي للتوصيات الأخيرة؟

"السلطات الإسرائيلية شريكة مباشرة في ما يحدث للنساء العربيات من معاناة واضطهاد لحقوقهن، وتُسبب السياسات القمعية المفروضة على النقب المعاناة الإنسانية للعرب والعربيات، ومبادئ التشريعات لم تأتِ لخدمة العرب، ولكن في قضية تعدد الزوجات بشكل خاص، التي تُعتبر قضية أساسية وحساسة ولها إرهاصات مباشرة وتبعات على حياة ومصير نساء يعانين يوميا، بإمكاننا استغلال هذه المبادرة لتحسين واقع النساء، وجعلهن شريكات في المعركة ضد السياسات العنصرية".

وأكملت أبو شارب حديثها قائلة إنها ترى "أن أبعاد قضية تعدد الزوجات ليست قومية فقط بل إنسانية، اجتماعية حياتية، وأعتقد أن تحسين حياة نساء النقب وإعطائهنّ الفرصة والحيز، يُعتبر شرطا أساسيا لإكمال نضالنا على الأرض والمسكن والهوية، لا يمكننا أن نحارب من أجل مجتمعنا، ونساؤه غير موجودات ويتعرضن للقمع يوميا".

ما تعليقك على ما لاقته التوصيات الأخيرة من معارضة جدية من أطر نسوية أيضا، تعترض على تطوير صلاحيات المحاكم الشرعية، وتشريع حالات معينة لتعدد الزوجات؟

"أعلم أن العديد من الأطياف النسوية غير راضية عن الاقتراح بتوسيع صلاحيات المحاكم الشرعية، والسماح لتعدد الزوجات في الحالات الإنسانية والشروط المناسبة، لكننا لم نأتِ لتحريم تعدد الزوجات. هدفنا الأساسي تحسين حياة النساء ومحاولة إعطائهن حقوقهن ومساعدة النساء لتقرير مصيرهن، وبعد الخوض بتفاصيل التوصيات تتعمق في كل حالة بشكل فردي وتناقش الحالات بشكل أوفى ويؤخذ باعتبارات النساء والعائلات حتى يقرر السماح بالزواج أو عدمه".

المحامية إنصاف ابو شارب

وختمت أبو شارب حديثها قائلة إنها كإحدى المشاركات بالتوصيات "جزء من مجتمع عربي مسلم، وكوننا ناشطات، هدفنا الوحيد هو مساعدة النساء وتمكينهنّ من أجل واقع أفضل، ولا يمكننا منع الظاهرة بشكل كامل حتى لا نظلم أحدا، وهذا يسمح لنا أيضًا بالتعمق بالحالات بشكل فردي".

أبو دعابس: نخشى أن تقود القوانين لتدخل الحكومة الإسرائيلية في الحياة الخاصة

في حين قال رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، الشيخ حماد أبو دعابس لـ"عرب48" إن "قوانين معاقبة ومنع تعدد الزوجات في إسرائيل قائمة منذ زمن وليست جديدة، وكل محاولات إيقاف هذه الظاهرة لم تنجح، الجديد في الأمر هذه المرة هو قيام المؤسسة بمسح ميداني، من باب تطبيق العقوبات ونشر إحصائيات ستبني عليها إجراءاتها القادمة، لكن يبدو أن مخرجات هذا العمل لا ترضي أي أحد، فيرفضها الجانب النسوي كما المؤسسة اللذين يريدان إيقاف الظاهرة بشكل كامل، كما يرفضها الجانب المحافظ في الشارع العربي المسلم الذي لا يريد لأحد أن يتدخل في شؤونه الأسرية".

وأكمل أبو دعابس: "إن أشد ما نخاف منه الآن، هو أن سماح المؤسسة لنفسها ومحاولاتها التدخلَ في هذه الجزئية المعينة سوف يجعلها تتدخل، غدًا، في جزئيات أخرى حتى يكون لدينا إسلام إسرائيلي وتدين إسرائيلي وشؤون أسره بما يلائم معايير الدولة الإسرائيلية وبما تحدده لنا".

ما موقف الحركة الإسلامية الجنوبية في الداخل الفلسطيني من ظاهرة تعدد الزوجات؟

أبو دعابس: "إن موقفنا واضح، نحن ضد الإجحاف بحق أي امرأة، وإن التعدد في الإسلام ليس فرضا، لكنه مباح بشرط العدالة والإنصاف، لذلك نحن مع ترشيد الظاهرة ولا ندعم منعها ومقاومتها ومحاربتها ومعاقبة أي معدد زوجات، لكن في ما يخص من يهمل نساءه أو أبناءه، ولا يقوم بواجباته، فنحن ندعو إلى التشديد عليه من أجل أن يقوم بمسؤولياته الأسرية، ومن لا يستطيع أن يقوم بذلك فلا حاجة لأن يدخل لها منذ البداية".

الشيخ حماد أبو دعابس 

وأضاف أبو دعابس "ومن جهة أخرى، نأسف لتعرض مجتمعنا لتدخلات خارجية من أجل ضبط أموره الأسرية، الأصل أن يكون الرجل قوامًا في بيته، لديه المسؤولية الكاملة والتقدير الصحيح لظروفه، حتى يبني أسرته بالشكل المناسب والصحي".

ما رأيك بالجانب القومي لهذه التوصيات؟

شدّد أبو دعابس على أن عرب الداخل "جزء من العالم العربي والإسلامي منذ 15 قرنا، ويجب أن يسري علينا ما يسري على الأمة الإسلامية ككل، بما يتعلق بالأحوال الشخصية، ونعلم جيدا أن المحرك لخطوات المؤسسة الأخيرة هو ما تعتبره خطرا ديموغرافيا ومحاولة التقليص من التكاثر العربي، الأمر المرتبط بسياسات أخرى كثيرة ومنها هدم البيوت والتمييز، ولم يأتِ هذا القرار لتحسين ظروف العرب".

هل تعتقد أنه سيطرأ تغيير في قضية تعدد الزوجات؟

خلص أبو دعابس إلى القول: "أعتقد أنه كان على دولة إسرائيل ترك موضوع تعدد الزوجات للتغيير الطبيعي، فمن الواضح جداً أن ظاهرة تعدد الزوجات تتقلص باستمرار وبشكل كبير جدًا، فالجيل الشاب في النقب اليوم معظمه مما نرى، يفكر بالزواج على أساسات معينة منها بناء العائلة، والشراكة الحقيقة كما تحده الضائقة السكانية الكبيرة في النقب والوضع الاقتصادي غير المريح للناس، وتلعب النساء دورا أساسيا في الشراكة وبناء العائلة والحفاظ عليها، وعليه فإن المؤسسة الإسرائيلية من الأفضل لها أن تفكر في تحسين الوضع المعيشي للعرب وتحسين المرافق وحل الضائقة السكانية من أن تلاحق متعددي الزوجات" .

أبو ربيعة: إسرائيل أوروبية حينما تريد فقط

وتحدثت الأكاديمية والمحامية والناشطة النسوية، د. راوية أبو ربيعة، إلى "عرب 48"، قائلة: "لديّ تحفظات عديدة على التوصيات الحكومية الأخيرة، أول ما يهمني الحديث عنه هو موضوع شرعنة الظاهرة والتعامل معها بشكل ديني بحت دون التطرق إلى حالة انتهاك حقوق الإنسان الموجودة في المسألة، وإعطاء الفرص لشرعنة حالات تعدد الزوجات حسب الاعتبارات المجتمعية القائمة، ومثال على ذلك، السماح بتعدد الزوجات في حال مرض الزوجة نفسيا أو جسديا، أو في حالة وفاة زوجها، فإنه يُسمح تزويجها لشقيق الزوج كزوجة ثانية، أو كونها عاقرا، ويظهر لنا هذا، أن التوصيات تبنت الخطاب المجتمعي بشكل كامل، وإعطاء المحكمة الشرعية الفرصة لتقنين الزواج المتعدد هو أمر خطير وسابقة".

وأكملت د.أبو ربيعة قائلة "اقتبست دولة إسرائيل خلال تقريرها للتوصيات الأخيرة، نصوصًا من دول العالم العربي وقاست الأمر على بعض أكثر الدول الرجعية وتعاملها مع هذه المسألة، وتقيس إسرائيل التي تعتبر نفسها دولة متقدمة ومُدرجة في قائمة دول الـ"OECD"، تعاملها مع المجتمع الإسرائيلي بالمعايير الغربية وعند التعامل مع العرب تبحث عن معايير محافظة بقدر الإمكان، ويستند مقياسها على دول الشرق".

د. راوية أبو ربيعة

وتحدثت د. أبو ربيعة عن السبب وراء المبادرة للتحرك ضد تعدد الزوجات بالقول "أعرف بشكل جيد أن المحرك الأساسي للدولة، هو الحد من التكاثر السكاني للعرب وإنقاص أعدادنا، ونستذكر تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أثناء معركتنا ضد مخطط 'برافر' الاقتلاعي، وتتوضح العنصرية من خلال التوصيات أيضًا، حيث أنها تحدثت عن منع الظاهرة، شرعنتها وضبطها، لكنها لم تتحدث عن تحسين المكانة القانونية للمرأة، وتقويتها، أو حتى في حالة تعدد الزوجات حماية المكانة القانونية للمرأة الأولى وإعطائها الخيار للقبول أو رفض الأمر، كما دولة إندونيسيا مثلا التي تشترط موافقة الزوجة الأولى بزواج الرجل من ثانية".

وختمت د. أبو ربيعة حديثها بقولها: "في نهاية الأمر، أعتقد أنه على كل امرأة كانت عربية أم يهودية، تريد الإبداء برأيها في قضية تعدد الزوجات، أن تسأل نفسها إن كانت تقبل أن يتزوج عليها زوجها، وأييلت شاكيد ابنة البيت اليهودي عليها أن تبدأ بالإجابة، ويجب أيضًا أن نبدأ كمجتمع بنقاش أنفسنا عن نظرتنا تجاه النساء ومواقفنا في المعارك الاجتماعية، هل نحن إنسانيون وأبناء مجتمع واحد، أم نحن قمعيون وفاشيون سيئون، قبل مقارعتنا للاحتلال الذي يصدر روايته الإنسانية والتقدمية الكاذبة للعالم ليكسب التأييد، ونحن العرب نعلم أن نقطة انطلاقه هي القضاء على وجودنا الوطني وتأثيرنا السياسي كفلسطينيين".

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018