الجودو والجمباز الإسرائيليان في الخليج العربي

الجودو والجمباز الإسرائيليان في الخليج العربي

ربيع عيد

وصل الأسبوع الجاري منتخب إسرائيل لرياضة الجودو إلى الإمارات للمشاركة في مسابقة "غراند السّلام" التي ستنطلق في أبو ظبي، كما وصل أيضًا منتخب إسرائيل للجمباز إلى قطر للمشاركة في بطولة العالم للجمباز المنعقدة في الدوحة. استضافة فرق رياضيّة إسرائيليّة في الإمارات وقطر ليس جديدًا، سبقه العديد من المشاركات الإسرائيليّة من خلال مسابقات أو مؤتمرات دوليّة وسوف يستمر في السنوات المقبلة.

لكن الحدث الأهم، كان الإعلان، اليوم الجمعة، عن استقبال سلطان عُمان، قابوس بن سعيد، رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في مسقط في زيارة رسمية استمرت يومين. وسبقه صمت إسرائيلي رسمي على جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي، وهو ما عزاه صحافي إسرائيلي متخصص بالشؤون الاستخبارية إلى أن أعضاء في فريق القتل هم أقرب المقربين لمحمد بن سلمان، وقد يكونون من تولوا التنسيق والتواصل مع إسرائيل في السنوات الأخيرة.

كل دولة في العالم ترغب في استضافة مسابقات عالميّة على أرضها، عادة ما تكون هذه المسابقات مرتبطة بمؤسسات دوليّة تحكمها قوانين وأنظمة في كيفية اختيار البلد المستضيف، منها عدم منع الدولة المضيفة أي أحد لجنسيّته من الحضور والمشاركة، أي أنه لا تسطيع الإمارات أو قطر الفرض على "فيفا"، على سبيل المثال، عدم إشراك دولة معينة في مسابقة دوليّة ما كي يقبلوا أن يستضيفوا المسابقة، وعلى البلد المستضيف أن يقبل بمشاركة كل الدول الممثلة في المسابقة، وإلا لن يحصل اتّفاق على عقد النشاط وسيُبحث عن بلد آخر. ومن هذا الباب، أصبح التطبيع الرياضي مع إسرائيل أمرًا عاديًا في دولٍ تسعى وتتنافس فيما بينها لاستضافة مسابقات وأنشطة دولية على أرضها، كخيار إستراتيجي في سياسة الدولة لتعزيز حضورها الدولي وقوّتها الناعمة.

لطالما كان التطبيع مع إسرائيل مرفوضًا على المستوى الشعبي العربي، وهو ما زال كذلك، فبحسب نتائج المؤشّر العربي الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لعام 2017/2018؛ فإنّ 87% من مواطني المنطقة العربيّة يعارضون الاعتراف بإسرائيل بسبب طبيعتها الاستعماريّة والعنصريّة. وشهدنا في الأيّام الأخيرة موجة من التغريدات عبر التويتر تهاجم هذه الاستضافات.

في المقابل هناك وجهٌ آخر لهذا التطبيع بالنسبة للإمارات، وهو التطبيع السياسي وهو الأخطر والأهم، فوزيرة الثقافة الإسرائيليّة، ميري ريغيف، وصلت لأبو ظبي إلى جانب فريقها الرياضي، ولا نعلم ما هي اللقاءات التي ستعقدها وعلى أي مستوى، خصوصًا أن دولة مثل الإمارات أصبحت تحكمها مجموعة من العلاقات والمصالح المشتركة مع إسرائيل في التكنولوجيا وأنظمة التجسس وفي معاداة تطلّعات الشعوب العربيّة بالحريّة ودعم الثورات المضادة، لدرجة أن إخفاء هذه العلاقة لم يعد أمرًا يستحق العناء وبات مكشوفًا.

أمّا في قطر، فلم تعد هناك أي علاقات رسميّة وسياسيّة تربطها مع إسرائيل منذ عام 2009 بعد إغلاق المكتب الإسرائيلي في الدوحة بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة، وهو تحوّل لافت بعد أن استقبلت الدوحة العديد من الشخصيّات السياسيّة الإسرائيليّة وبشكلٍ رسمي منذ عام 1996. لكن، في العام الأخير، وعلى ضوء الأزمة الخليجيّة وحصار قطر، استضافت الدوحة شخصيّات أميركية محسوبة على اللوبي الصهيوني الداعم لإسرائيل في الولايات المتّحدة، وأوقفت نشر التحقيق الصحافي الاستقصائي الذي أنجزته قناة "الجزيرة" الإنكليزيّة في الولايات المتحدة حول نشاط اللوبي الصهيوني وتأثيره على السياسية الأميركية، على غرار التحقيق الذي أجرته القناة في بريطانيا الذي أثار ضجّة كبيرة.

في الوقت ذاته، لا تشعر السلطات القطريّة بالخطر أو التهديد إزاء الحملات المناهضة للتطبيع المستمرة التي يُقدم عليها نشطاء قطريون مثل "شباب قطر ضد التطبيع" ويُسمح لها بالعمل، لدرجة أن قناة "الجزيرة" ومنصّات إعلاميّة قطريّة أخرى تُغطّي هذه الحملات. هذا لا يقول إن هناك حريّة للتعبير والتنظيم، بل قدرة للسلطة على أن تستوعب الفريق الإسرائيلي في مسابقة على أرضها في مسابقة دوليّة، وفي الوقت ذاته الرأي العام القطري المناهض لحضوره دون أي يُحدث ذلك تهديدًا لها، بخلاف السلطات الإماراتيّة التي تمنع تشكّل رأي عام أصلًا وتلاحق النشطاء ممن يثيرون القضية، لدرجة أصبحت فيها عملية تحميل خدمة الـ"في بي إن" للتشفير على شبكة الإنترنت تهمة يُسجن عليها فاعلها.

لكن مهما حاولت السلطات أن تلعب "الجودو" وتكتم صوت مواطنيها الرافض للتطبيع مع إسرائيل أو أن تكون سلسة وتلعب "الجمباز" لاستيعابه، ستبقى إسرائيل بالنسبة للشعوب العربيّة كيانًا استعماريًا مرفوضًا ما دامت تحتّل الأراضي العربيّة وتمنع حقوق الشعب الفلسطيني التاريخيّة والعادلة، والتعويل في هذه المعركة دومًا على صوت الشعوب.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية