ماذا علينا أن نستخلص من انتفاضة اليهود الأثيوبيين؟

ماذا علينا أن نستخلص من انتفاضة اليهود الأثيوبيين؟

عوض عبد الفتاح

لم يخترع اليهود الأثيوبيون الانتفاضات، وليست المرة الأولى التي تجتاح إسرائيل احتجاجات على خلفية عرقية، من داخل "القبيلة" العبرية، ففي العقدين الأوليين بعد إقامة الكيان الاستعماري في فلسطين وفي أوج عملية الصهر الصهيونية؛ تفجر غضب الشرقيين اليهود، أكثر من مرة، ونشأت تنظيمات يهودية شرقية في مواجهة التمييز ضدهم، وأبرزها منظمة الفهود السود المندثرة، ولكن من حصد ثمار هذا الاحتجاج ليست الأحزاب أو المجموعات غير الصهيونية، مثل الحزب الشيوعي، أو المجموعات المناهضة للصهيونية، بل حزب الليكود اليميني، في الانقلاب الانتخابي الذي شهدته إسرائيل عام  1977. لقد صوّت آنذاك غالبية الشرقيين لهذا الحزب الصهيوني المعارض، والذي تحول، منذ العقد الأخير، إلى القوة التي تحكم قبضتها على مفاصل الحكم، وتتحول إسرائيل، نظاما ومجتمعا إلى دولة يمينية رأسمالية متطرفة ، فضلا عن كونها كيانا استعماريا عدوانيا.

ذكّرت الانتفاضة اليهودية الأثيوبية التي اجتاحت شوارع شريانية في البلاد، وعطّلت حركة السير، لساعات طويلة، وأوقعت حوالي خمسين شرطيا جريحا، الفلسطينيين، داخل الخط الأخضر، مواطنين ونشطاء، بواقعهم الأكثر مأساوية، وراحوا يسألون ويتساءلون، عن غياب ردّ فعل من جانبهم مشابه من حيث العنفوان، والتنظيم، والإرادة، والجرأة. ليست المرة الأولى التي تُفاجئ الساحة الإسرائيلية الشعبية المواطنين العرب، ففي صيف عام 2011، وبتأثير من الانتفاضات العربية التي اجتاحت دولا عربية مركزية، نشأت حركة الاحتجاج الإسرائيلية، وصمد اعتصامها لحوالي شهرين، في قلب مدينة تل أبيب، دون أن تلهم هذه الحركة الاحتجاجية القيادات أوالنشطاء العرب، في محاكاة هذه الحركة، والعمل على إطلاق حركة احتجاج وطنية واجتماعية، تُميزها عن حركة الاحتجاج الصهيونية التي نأت بنفسها عن القضية الكبرى، ألا وهي قضية الاحتلال والاستعمار الكولونيالي، وعن جوهر النظام الاقتصادي - الاجتماعي الصهيوني، أي النظام الرأسمالي العنصري، وفشلت لجنة المتابعة العليا، في فهم طبيعة ومحدودية هذا الحراك الإسرائيلي الشعبي، الذي كان متمركزا بالأساس في الشأن الداخلي للكيان، ونشأ توجهان داخل لجنة المتابعة، توجهٌ يقول بالاندماج بالحراك الإسرائيلي، وتحت شعاراته الصهيونية، والعمل على إدخال شعارات ومطالب تخص المواطنين العرب، ومثله الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وتوجُّهٌ آخر يرى ضرورة إقامة حركة احتجاج عربية فلسطينية، تُلائم خصوصية واقعنا ومطالبنا، مثّله التجمع الوطني الديمقراطي، وتُركت الأمور عائمة بهذا الخصوص، وسُمح للتوجهيْن بالتحرك، من خلال لجنة المتابعة ومن خارجها، ووُكلتُ أنا شخصيا بمتابعة التوجه الأخير، ودعيتُ لاجتماع عام عددا من اللجان الشعبية القائمة والفاعلة في البلدات العربية، ولكن غياب الاتفاق والرؤية الموحدة لطبيعة حركة الاحتجاج الإسرائيلية، وتشتت الجهود، وعدم اكتراث الحركتين الإسلاميتين بالأمر؛ حال دون إقلاع هذه المبادرة الشعبية، بعد الاجتماع الموسع الوحيد الذي عُقد في مقرّ لجنة المتابعة العليا في الناصرة.

لقد نشأ التوجه ذو المنحى القومي، الذي اعتمده التيار الوطني القومي داخل لجنة المتابعة العليا، على أساس قراءتنا لمحدودية الحراك الإسرائيلي ودورانه في البوتقة الصهيونية، سواء من حيث المطالب والشعارات، أو من حيث المقدرة التنظيمية، أي إن منطقنا استند إلى رؤية إستراتيجية تقوم على الاستفادة من الأجواء التي أثارتها حركة الاحتجاج، من أجل إقامة حركة نضال شعبي طويلة الأمد، تُعلي من شأن الحقوق القومية واليومية لجزء من شعب واقع تحت نظام كولونيالي وعنصري وإقصائي، وقلنا إن هذا التوجه هو الذي سيُحدث تأثيرا في الشارع العربي، ومن شأنه أن يستقطب اهتمام شرائح معينة من اليهود، غير أن ذلك لم يحصل.

اليوم، ونحن نراقب الحراك اليهودي الأثيوبي، يتحسر الكثيرون، منا، صدقا، أو غير ذلك، لعجزنا عن محاكاة انتفاضة اليهود الأثيوبيين، فهم أقل عددا من فلسطينيي الـ48، وقضيتنا لا تُقارن بقضية الأثيوبيين، إذ إنها قضية شعب تعتبره دولتهم عدوا، تُمارس ضده كافة أشكال القهر، والنهب، والاقتلاع، وتحلم باختفائه، في حين أن الأثيوبيين اليهود، هم جزء من الجماعة اليهودية، وجُلبوا من وطنهم الأصلي، ليكونوا سندا للمشروع الصهيوني الاستعماري، وأداة قمع وسلب، في الأساس، وليس عطفا عليهم كبشر. يستفيق هؤلاء الأفارقة اليهود اليوم، على كابوس كبير، كابوس العيش في دولة، ظنوا أنها دولتهم، وفي مجتمع، يهودي أوروبي، يتعالى عليهم ويشمئز منهم، فالعبارات والشتائم التي ملأَت وسائل التواصل الاجتماعي أمس واليوم، مثل: "حيوانات"، و"أحضرناكم من الأدغال"،  و"عودوا من حيث جئتم "، وغيرها؛ تعكس الطبيعة العنصرية لهذا الكيان، الذي يعادي كل العرب، والشرقيين حتى لو كانوا يهودا.

وما نريد قوله، هو إن قوة انتفاضة الأثيوبيين، يجب أن تُنبهنا إلى واقعنا السياسي، واقع الاضطهاد، وأيضا إلى واقع انحسار حراكنا الشعبي، بل اختفائه في السنوات الخمس الماضية، رغم إقامة القائمة المشتركة، ورغم إجراء أول انتخابات لرئيس لجنة المتابعة، وما تبعها من وعود للإصلاح والتطوير، ولكن هذا لا يجب أن يطمس تاريخ نضال هذا الجزء من الشعب، نحن فلسطينيّو الـ48، أبناء الشعب الذي خاض معارك شعبية بطولية، وصدامية، شاملة ومحدودة، وأهم هذه المعارك، يوم الأرض، وهبة القدس والأقصى، أما الانتفاضات المحدودة، فتمثلت في معارك الدفاع عن البيوت، والأرض، ومساندة الأسرى المضربين عن الطعام، وكان أعظم تجليات هذه الانتفاضات المحدودة في الحراكات ضد مخطط "برافر" الاقتلاعي ضد أهلنا في النقب. وإذا كان إطلاق برنامج المظاهرات والنشاطات المرخصة، قد صدر عن لجنة المتابعة، برئاسة السيد محمد زيدان، وبمشاركة جميع الأحزاب، فإن تحويل هذه المظاهرات إلى حراكات صدامية في الشوارع، تعود إلى الحراكات الشبابية، وبشكل خاص شبيبة التجمع الوطني الديمقراطي، وشبيبة حركة أبناء البلد، ومئات الشباب الوطني غير المحزّب، أما على صعيد مشاركة الأحزاب في المظاهرات غير المرخصة، والصدامية؛ فكان التجمع، بقياداته المركزية، حاضرا بقوة فيها، ومُحرِّضا على إغلاق الشوارع، وكان أول المعترفين بهذا الدور المركزي لحزب التجمع -طبعا من باب التحريض-، الوزير المكلف آنذاك بتطبيق مخطط برافر، إذ إنه ذكر التجمع، وقياداته بالاسم، أثناء الجلسة الرسمية التي أعلن فيها فشل المخطط بسبب المعارضة الشعبية.

يجب أن نذكر أن مجمل من شارك في إسقاط برافر لم يتعدَّ بضعة آلاف من المواطنين والشباب الثائرين، وليس عشرات الآلاف. وهؤلاء تحركوا وفق خطة واضحة، شملت خطوات مترابطة، على مدار ثلاث سنوات، انتهت أواخر عام 2013. وكان يمكن أن تكون الإنجازات أكبر وأعظم، أي أن يتوقف الهدم والمصادرة كليا، فيما لو شارك الكثيرون من المبهورين اليوم بانتفاضة الأفارقة اليهود. لقد تم ذلك في ظل قيادة للجنة المتابعة، لم تكن قوية بصورة كافية ولا كاريزماتية ( السيد محمد زيدان)، ولكنها تفهمت أهمية التصعيد، وأهمية التخطيط طويل المدى للعمل الشعبي الذي تدرج من مرحلة التوعية والتعريف بخطورة المخطط لأهلنا في المثلث والجليل، إلى مرحلة التظاهر والمظاهرات المرخصة، إلى مرحلة إغلاق الشوارع والتظاهر دون ترخيص، الأمر الذي أشعر المؤسسة الصهيونية بأن الفلسطينيين على أعتاب انتفاضة شاملة ليس في النقب فحسب، بل في عموم المنطقة المحتلة، داخل الأرض المحتلة عام 1948.

للأسف، إن هذه الرؤية الإستراتيجية للعمل الشعبي مفقودة في واقع لجنة المتابعة الحالي، رغم أن الفلسطينيين راكموا تجارب هامة، وحققوا إنجازات كبيرة في الوعي والتعليم والاقتصاد، فهل نصحوا، ونبدأ بتحطيم الرتابة القاتلة، ونرتقي بإستراتيجيات النضال الشعبي، وبتشييد المرجعية الوطنية الجامعة؟