كيف تجانست ربطة شبيبة "هشومير هتسعير" مع الكوفية والعقال

كيف تجانست ربطة شبيبة "هشومير هتسعير" مع الكوفية والعقال

سليمان أبو إرشيد

رغم مرور 53 عاما على انتهائها، ما زالت فترة الحكم العسكري التي امتدت من عام 1948 وحتى عام 1966، إحدى الفترات الغائبة والمغيبة عن تاريخنا، هي غائبة بفعل التعتيم الإسرائيلي الذي ما زال مفروضا على أحداثها من خلال حجب الوثائق العسكرية والسياسية ذات العلاقة، ومغيبة عن وعينا الجمعي لهول الحدثين الكبيرين، النكبة والنكسة، التي تربط بينهما، واحتلالهما الحيز الأكبر من ذاكرتنا الوطنية.

والمفارقة أن كتاب صبري جريس، "الفلسطينيون في إسرائيل"، الذي صدر في الستينيات، ما زال يشكل المرجع الأساس في تناول تلك الحقبة، رغم مرور أكثر من نصف قرن، هي المدة القصوى المطلوبة وفق العرف الإسرائيلي، لتحرير الوثائق والبروتوكولات السياسية والعسكرية الإسرائيلية السرية، والتي عادة ما تشكل مادة دسمة للمؤرخين والباحثين الإسرائيليين لإنتاج الكتب والمؤلفات، حول الحدث أو الحقبة ذات العلاقة.

من هنا ما زال أي تقرير صحافي من ِشأنه أن يلقي الضوء على حدث أو حديث أو حادثة ترتبط بتلك الفترة، يثير لدينا الكثير من الاستغراب والتساؤل، فكم بالحري عندما يتعلق الموضوع بشبيبة عربية تابعة لـ "شومير هتسعير"، يرتدي أعضاؤها إلى جانب ربطتها الشهيرة، الكوفية والعقال أيضا.

التقرير الذي نشرته "هآرتس" قبل أيام، يروي قصة مئات الفتية والشبان العرب من الجليل والمثلث الذين جرى تجنيدهم مطلع الستينيات، في أوج فترة الحكم العسكري، لصفوف هذه المنظمة، وأطلق عليهم "الشبيبة العربية الطلائعية"، وسكنوا في الكيبوتسات، حيث عملوا وتعلموا وأكلوا وناموا ورقصوا "الهوراة" وأنشدوا "هتكفاه" ورفعوا علم إسرائيل، واستبدلوا أسماء محمد وأحمد وحمدان بـ تسفي ويتسحاك وعاموس وناتان.

يجب فهم القصة بروح تلك الأيام، لأنه من الصعب استيعابها اليوم، كما يقول أحمد مصاروة، الذي كان واحدا من هؤلاء، فقد كانت الفوضى تعم القرية العربية، مصادرة الأراضي الزراعية دفعت بسكانها الفلاحين إلى حافة الجوع، والحكم العسكري منعهم من التفتيش عن رزقهم خارج حدود القرية.

مصاروة، الذي "دُعي" في سن الرابعة عشرة إلى الانضمام إلى شبيبة كيبوتس "يكوم"، هو بطل الفيلم الوثائقي القصير "أنا كنت تسفي"، الذي أنتجه دافيد أوفك أييلت باخار، معدة تقرير "هآرتس"، ومن المفترض أن يعرض في فروع سينماتيك ابتداء من أيلول/ سبتمبر المقبل، ويروي حكاية "الشبيبة العربية" تلك، من خلال تجربة أحمد الشخصية، الذي انتقل بعد تركه للكيبوتس للعمل في تل أبيب قبل أن يسافر للدراسة في ألمانيا وينضم لاحقا إلى حركة "ماتسبين" اليسارية.

أما عضو الكنيست السابق عن حركة "ميرتس"، وليد صادق، فيقول (في مقابلة أجريت معه قبل وفاته)، كنا تحت الحكم العسكري، تحت المراقبة والقمع وكم الأفواه والعواطف، وكنا نتجاهل كل تلك الأمور، كي نحظى ببعض المقابل في الكيبوتسات، كنا معنيون ببعض الأجر لأنه لم يكن هناك نقود في القرية العربية، والمقابل الذي حصلنا عليه من عملنا كان أفضل وأكثر أهمية من هذه الأسئلة المحرجة.

صادق، الذي كان في كيبوتس "غان شموئيل"، لم يخف شعوره بالغبن والتمييز حتى مقابل من هم ليسوا أعضاء في الكيبوتس من اليهود، مثل زميله اللاحق، عضو الكنيست ران كوهين، الذين سكنوا في بيوت أجمل وعملوا في أعمال أرقى، مثل الزراعة وقطف الورود، بينما عمل هو في النظافة.

لقد جندت الحركة 1800 شاب عربي، وأقامت بؤرا لها في 45 قرية، واستغلت حاجة الشبان العرب وأهاليهم للعمل والمال، في ظل الحصار الخانق الذي فرضه الحكم العسكري، فكانت تمنحهم بضع ليرات من الأجر، وأشبعتهم بشعارات حول الاشتراكية وأخوة الشعوب، التي سرعان ما سقطت عند أول امتحان بعد أن تقدم محمود يونس، بطلب إلى وزير الزراعة، لتخصيص أرض لإقامة "كيبوتس عربي"، حيث أحاله الوزير إلى الوكالة اليهودية التي أجابته بأن "أرض الوطن" مخصصة لليهود فقط.

وبعد بضع سنوات، حاول أحمد مصاروة مجددا الحصول على أرض لإقامة "كيبوتس عربي"، فتلقى جوابا قاطعا، مفاده لا تكن ساذجا"، على أراضي قريتك المصادرة نقيم ثلاث مستوطنات يهودية، يرفع سكانها السلاح عند الحاجة.

إلا أن خيبة الأمل الكبرى كانت عندما لم تفلح الأزواج العربية اليهودية المشتركة، التي نشأت عن هذا الاختلاط وعقدوا زواجا مدنيا ورزقوا بأولاد، لم تفلح في البقاء في الكيبوتس لأنها كذلك، ولفظها الكيبوتس خارجا، مسقطا كل الشعارات المتعلقة بأخوة الشعوب والاشتراكية التي رفعتها حركة "هشومير هتسعير" جزافا.

في هذا السياق، يقول عضو الكنيست ران كوهين، إن المعارضين قالوا إن الكيبوتس، "غان ميخائيل"، في الحالة العينية، هو جسم صهيوني يقوم على أراضي الصندوق القومي اليهودي ("كيرين كاييمت")، ولا يجوز للعرب السكن فيه، وفي البعد الاجتماعي فإنه جسم يهودي صاحب أعياد وعادات وثقافة يهودية؛ وحتى عندما حاولت تسويغ القضية كحالة إنسانية، يضيف كوهين، لم أنجح، واضطررت إلى التراجع عندما هدد الكثيرون بالانسحاب من الكيبوتس.

لقد كانت تلك الشعارات ذرا للرماد في العيون، فكيف يمكن التوفيق بين الصهيونية والاشتراكية، لقد تلاعبوا بالأيديولوجية وبالأفكار السامية، كما يقول أحمد مصاروة، بينما في الواقع مارسوا أمرا مختلفا.

هي ازدواجية ما زالت أحزاب اليسار الصهيوني تمارسها إلى يومنا هذا، وهاهم، مكملو درب ران كوهين في حزب "ميرتس"، يتحالفون من جهة مع مجرم الحرب إيهود باراك، ويسعون جاهدين إلى اجتذاب الأصوات العربية، وتوقيع فائض أصوات مع القائمة المشتركة، وهم للأسف يجدون دائما من يقع في أحابيلهم.