إعدام الشهيد إياد الحلاق وردّ فعلنا على ذلك عرّانا شعبًا وقيادة

إعدام الشهيد إياد الحلاق وردّ فعلنا على ذلك عرّانا شعبًا وقيادة

سأكون صريحًا، لم أكن أعرف ما هو الفرق بين المتوحّدين وذوي متلازمة "داون". كنت أظنّهم نفس الشّيء، وأن جميعهم متشابهون في شكل الوجه والجمجمة مثل أصحاب متلازمة داون.

وذلك حتى استشهاد الشاب المتوحد، إياد حلاق من القدس على يد شرطة الاحتلال، بعد أن نُشرت صورته. حينئذٍ حدث لي نوعٌ من الارتباك، فشكل وجه إياد عادي جدًا، لا يشبه أولئك الذين يطلقون عليهم تسمية متلازمة داون.

بحثت واكتشفت خطأي، ووجدت أن متلازمة داون، أُطلِقَت تيمّنًا باسم طبيب بريطاني اسمه جون داون أطلق عليها في العام 1862، تسمية "البلاهة المنغولية"، ولكن الباحث جيروم لوجين اكشف عام 1959 أن سّبب هذه الظاهرة هو خلل في تركيب الكروموزومات ولا مجال لعلاجه، أما الشخص المتوحّد، فقد تكون ملامحه عادية لا تختلف عن إنسان آخر، ولكن التواصل معه أصعب بكثير من ذوي متلازمة داون.

يمتاز المتوحّد بأنه يخاف من الآخرين، فلا يقترب منهم، ولا يحب أن يقتربوا منه، وهو يعيش في عالمه الخاص، ولا يخرج من دائرته، ولا يدرك اسم بلده، ولا يعرف ماذا يعني احتلال، ولا يميّز بين جنود أو شرطة أو غيرهما، ولا يعرف لماذا تُستَعمل السكين، وتجذب بصره حركة ما غير ملفتة أصلا، ولا يحفظ أسماءً، إنه طائر من ندى، حتى أن أكثرهم لا يستجيبون لأسمائهم.

تكشف جريمة إعدام المتوحّد إياد سلسلة طويلة من كذب الشرطة والجيش بوضوحٍ لا لبس فيه، إذ إن العربي يُقتل لمجرد الاشتباه، والتبرير بكذبة أن الضحية كانت أو كان يحمل سكينًا أو سلاحًا قبل السيطرة عليه وإعدامه.

معظم الفلسطينيين غير المسلحين الذين قُتلوا بيد الشرطة والجنود، اتُّهموا بأنهم حملوا سكينًا، وأنهم كانوا ينوون مهاجمة وقتل إسرائيليين، وأنه لولا قتلهم وسرعة الرد لحدثت كارثة.

إذا كانوا أمام عدسات الكاميرات يدّعون مثل هذا الكذب، فلَكُم أن تتخيلوا ما الذي يحدث في غياب الكاميرات وشهود العيان.

لكم أن تتخيلوا عشرات المرات التي ادعوا فيها أنهم هوجموا من قِبَل شاب أو شابة بسكين فقتلوه، أو بسيارة زعموا أنها حاولت دهسهم، فأطلقوا النار باتّجاهها وقتلوا سائقها.

آخر الاعتداءات كان على شابين من كفر قاسم، على شاطئ البحر بالقرب من ريشون ليتسيون.

أحدهما أصيب بجرح كبير على طول ظهره احتاج 22 قُطبة لإغلاقه، وكان يمكن للشاب من كفر قاسم أن يُقتل هو ورفيقه، ومن سيعرف حينئذ بأنهما تعرضا لمحاولة ابتزاز عنصرية، إذ طلب بعض الشبان اليهود منهما، تسليم "الأرغيلة" التي كانت بحوزتهما "خاوة" (إتاوة)، وعندما رفضا ذلك تعرضا لاعتداء جسدي وطعنة غادرة طالت ظهر أحدهما.

كذلك قضت إحدى المحاكم الإسرائيلية (الأربعاء)، بتعويض مالي لعائلة الشاب محمود الهيب من طوبا الزنغرية بعد تسع سنوات من المداولات في المحاكم لإثبات أن عناصرَ شرطةٍ قتلوه عام 2011 خلال مطاردته، دون أن يشكل أي خطر عليهم.

التحريض يُبثُّ في وسائل الإعلام العبرية المحلية والقطرية ضد المواطنين العرب في كل مناسبة، وهناك منافسة بين وسائل الإعلام العبرية في من يبتكر تحريضًا أشدّ فتكًا وخطورة ضد العرب، باستثناء قلة نادرة منها صحيفة "هآرتس".

التحريض على العنف ضد العرب بهدف تنفيذ اعتداءات تصل أحيانًا إلى درجة القتل، أصبح متأصّلا، يقوده أعضاء كنيست ووزراء ورئيس حكومة.

من خلال النتائج التي نراها على أرض الواقع، يبدو أن هناك تنافسًا بين عناصر الشرطة، في من يحصل على وسام وترقية بقتله عربيًا، ومن سيفتخر بأنه هو من أطلق الرصاصة أولا.

بالتأكيد لو لم يكن إياد متوحّدا، لأصرّوا على ادعائهم الكاذب، بأنه كان يحمل سكينًا أو مسدّسًا وهاجمهم، وكالعادة كان وزير الأمن الداخلي، قد أيّدهم في ذلك، والأقذر أن قوات أمنية اقتحمت منزل الشهيد إياد بحثا عن "دلائل"، كما يبدو لجمع أي كلام كدليل مزعوم على أنه كان يخطط لارتكاب مجزرة.

يدا الشهيد إياد، لم تكونا خاليتين من سكين أو مسدّس فحسب، بل إنه لا يعرف من هو رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ولا الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ولا الملك الأردني، عبد الله، ولا يعرف ماذا تعني كلمة أردن أو فلسطين.

جرت مظاهرة في القدس احتجاجا على إعدام إياد، ووقفات على بعض مفارق الطرق، وكل احترام لمن شاركوا، وتحدّث بعض أعضاء كنيست من القائمة المشتركة بحدّة على منبر الكنيست، لكن هذه التظاهرات على مفارق الطرق، والرّدود الخطابية من على منبر الكنيست، أقل بكثير مما يجب ومما يمكن عمله، وبخاصة في قضية المتوحد إياد الحلاق.

إعدام إياد وردّ فعلنا على ذلك عرّانا شعبًا وقيادة، لقد خملت جلودنا، صِرنا جبناء وخانعين، وأضحينا شعبًا من المتوّحدين، ومن ذوي متلازمة داون وأكثر من "داون".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص