شرعية "العرب" لا تتعدى حدود التوصية!

شرعية "العرب" لا تتعدى حدود التوصية!

دائما قلنا إننا نركن في الحفاظ على هويتنا إلى عنصرية إسرائيل التي تحول، منذ قيامها على أنقاض شعبنا وحتى اليوم، دون اندماجنا في المجتمع والدوائر والمؤسسات السياسية للدولة اليهودية، بحكم كونها يهودية وصهيونية، وحفاظا على هذا الطابع تصر على إقصائنا وإبقائنا خارج دائرة الفعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الإسرائيلي وعلى هامشه، نركن إلى عنصرية إسرائيل تلك أكثر من إركاننا إلى فرامل قياداتنا المهترئة التي دعا بعضها منذ الخمسينيات إلى تجنيد فتياتنا في الجيش الإسرائيلي، وصولا إلى التوصية مؤخرا على جنرالات مجرمي الحرب وعلى رأسهم بيني غانتس.

نورد ذلك لنطمئن أنفسنا وأبناء شعبنا من جهة، ولنذكر من صدّقوا أنفسهم وباتوا يعتقدون بقدرتهم على تحديد وجهة إسرائيل وهوية رئيس حكومتها، بين من اعتقد أن الناس تحبس أنفاسها بانتظار خطابه الموعود الذي سيعلن فيه موقفه من "التوصية" على المرشح المنتظر لرئاسة الحكومة، وهو يترجم شعاره "لسنا في جيب أحد" بأننا يمكن أن نكون في جيب أي أحد.

فهناك فرق بين المعنى الحقيقي لهذا الشعار الذي ينطلق من رفض التبعية لأحد بعينه ولغيره أيضا، من باب التأكيد على استقلالية الذات الوطنية، في حالتنا، والقائم على الاعتداد بهويتنا والتمسك بقضيتنا وحقوقنا الوطنية والمدنية الجماعية، وبين توسيع خيار التبعية والمساومة ومقايضة الحقوق الوطنية بالحقوق المدنية والمعيشية.

وبين من ما زال يصر على الالتزام بالتبعية "التاريخية" لطرف دون غيره، وهو يعتزم التوصية على يائير لبيد، حتى وهو يدرك أنه يُزكّي بذلك نفتالي بينيت لرئاسة الحكومة القادمة، هذا البعض لا يرى غضاضة في المزاودة على منصور عباس ومهاجمته، ليس لأنه يفرط بالقضية الوطنية الفلسطينية ولا يضع إنهاء الحصار والاحتلال والاستيطان شرطا مسبقا لدعم أي مرشح قبل الحديث عن القضايا المدنية، بل لأنه خان شعار إسقاط نتنياهو الفاسد والمتورط بملفات جنائية، وخرج من المعسكر المناوئ له.

كلاهما يتعاميان عن حقيقة أن خلافنا مع الصهيونية وإسرائيل هو حول فلسطين وقضيتها، وأننا إذا "بعنا" القضية أو حيدناها، يمكن أن نصبح أصدقاء مع يائير وأبو يائير، وغدعون ونفتالي أيضا، ولكننا نخسر ذاتنا الوطنية ونصبح أتباعا لديهم فرادى أو مجتمعين.

إننا لا نسدي معروفا لغزة عندما نضع رفع الحصار عنها شرطا لدعم أي مرشح، ولا نقدم خدمة للضفة إذا ما اشترطنا عدم ضم أي جزء من أراضيها، بل ننطلق من فهم لشمولية قضيتنا الوطنية وأولويتها على القضايا الفرعية الأخرى المرتبطة بها والنابعة منها، فنحن نعاني التمييز والظلم والإجحاف لأننا فلسطينيون، وحتى من يفصل منا بين حل قضية شعبنا التي يسميها "السلام" وبين حل قضيتنا داخل إسرائيل التي يسميها "المساواة"، ويذيل اسمه بالسلام والمساواة، هو يقدم السلام الذي يتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على المساواة ويرى به شرطا ضروريا لتحقيق المساواة داخل إسرائيل.

لقد دعمت جماهيرنا القائمة الموحدة ومنصور عباس، على الرغم من أنها عاقبت المشتركة، لسببين أساسيين؛ الأول: لأنها رفضت محاولة الإلغاء والعودة إلى عهد الهيمنة السياسية لطرف معين على الساحة الوطنية، خاصة بعد إخراج الإسلامية الشمالية عن القانون وإضعاف التجمع بدرجة كبيرة، والثاني: لأنها أيدت فعلا نهج الخروج من عباءة ما كان يعرف تاريخيا بمعسكر "اليسار الإسرائيلي"، بعد أن تحول إلى مجرد معسكر مناوئ لنتنياهو يضم أحزابا تقع على يمينه مثل ساعر وليبرمان وحتى بينيت.

وقد التقط منصور عباس الشعار الصحيح، "لسنا في جيب أحد" في التوقيت الصحيح، انقسام الساحة السياسية الإسرائيلية حول شخص نتنياهو، وما يرتبط به من قضايا أخلاقية وإدارية تخص جهاز الحكم في إسرائيل، وليس حول قضايا سياسية تتعلق بالاحتلال والاستيطان وغزة والقدس التي باتت محل إجماع إسرائيلي، ونجح في إخراجنا جزئيا إلى فضاء المناورة، ولكن امتحانه سيكون في ما إذا كان سينتقل من تبعية "اليسار" إلى تبعية اليمين، أم أنه سيقوم باستغلال حيز المناورة حتى النهاية دون الوقوع ببراثن أي منهما.

من جهتنا نركن، كما ذكرنا سابقا، إلى عنصرية إسرائيل أكثر من فرامل منصور عباس وأيمن عودة وأحمد طيبي الوطنية، ومثلما أنقذنا هروب غانتس إلى حضن نتنياهو من شنار دعم حكومة الجنرالات وأبقانا مع عار التوصية عليهم فقط، فإن الموضوع هذه المرة أيضا سيقتصر على توصية هنا وتوصية هناك فقط، لأن حدود شرعية العرب المسموح بها لن تتعدى ذلك.

وفي الختام تحية للتجمع الوطني الديمقراطي الذي أعلن أنه لن يوصي على أحد على أمل أن يبقى عند موقفه.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص