"صفقة ترامب- نتنياهو".. تشريح الوضع العربي والحالة الفلسطينية (2)

"صفقة ترامب- نتنياهو".. تشريح الوضع العربي والحالة الفلسطينية (2)

أنطوان شلحت

كيف وصلنا إلى هنا؟

فضلًا عن تحليل نص خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذي توقفنا عنده بقدر مناسب من التفصيل في المقال السابق، تناول المفكر عزمي بشارة في كتابه "صفقة ترامب- نتنياهو" (الطريق إلى النصّ ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟) الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المناخ السياسي العام، فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا، الذي تسبب بـ"وصولنا إلى هنا" (إلى هذه الخطة الخطرة) بعد أن حدث كل ما حدث، متطرقًّا على نحو خاص، وهو يشرح التطورات التي قادت إلى أن تصبح الوثيقة بهذه الخطورة، إلى ما يلي:

(*) الصيرورة الأميركية السياسية والثقافية التي قادت إليها، والمرتبطة على ما يؤكد بالعلاقة الجدلية بين الشعبوية والنيوليبرالية، وأيضًا بحروب الولايات المتحدة في الخارج، وبانتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة وردة الفعل الآتية عليه، بعد أن كان انتخابه ردة فعل على مرحلة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

(*) تحليل ما يسميها المسألة العربية وارتباطها بقضية فلسطين.

وفي هذه المسألة تحديدًا، التي ركّز الكتاب عليها كثيرًا، يتوصل المؤلف إلى عدد من الاستنتاجات المهمة، لا بُدّ من إيراد بعضها:

أولًا، أن استغلال من يسمّون بـ"المعتدلين" من الحكام العرب قضية فلسطين أداتيًا من أجل تحسين مواقعهم في الولايات المتحدة هو الاستغلال الأداتيّ الأكثر رواجًا في المرحلة الحاليّة، حتى على حساب مبادئ عامة متعلقة بالمصالح المشتركة للنظام الإقليمي العربيّ، وبالتوافق العربيّ على أن قضية فلسطين مسألة استعمارية غير محلولة وقضية تحرّر وطني لشعب عربيّ واحتلال لأرض عربية، ومن ثم فهي عادلة ومبدئية. وبطبيعة الحال، يشير المؤلف إلى مظاهر أخرى لهذا الاستغلال الأداتيّ من طرف الحكام العرب، وفي مقدمها المظهر الهادف إلى صرف الأنظار عن السياسات الداخلية والممارسات الاستبداديّة.

ثانيًا، أن انهيار النظام العربي القديم المرتبط بالمدّ القومي، والذي تولدت منه منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما مع احتلال العراق للكويت، تزامن مع تعميم إسقاطات السلام المصري مع إسرائيل، ولعلّ أخطرها ضعف مقاومة فكرة السلام المنفرد مع إسرائيل. ولم تكن منظمة التحرير بمنأى عن هذه التداعيات، فقد تحولت أيضًا بالتدريج إلى "نظام عربيّ" يبحث عن دولته القطرية في سلام منفرد مع إسرائيل ولم تدرك أن ما ينطبق مثلًا على مصر، التي أرادت إسرائيل إخراجها من المواجهة ولو بثمن إعادة كامل سيناء إليها، لا ينطبق عليها.

ثالثًا، أدت هذه التغيرات، من ضمن ما أدّت، إلى تحوّل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى نزاع بين إسرائيل وكل دولة عربية قطرية على حدة، فهو عبارة عن مجرّد خلاف حدودي قابل للحلّ بتسوية من خلال استرجاع أراضيها التي احتلت في عام 1967، وبذا تمّ تحويل قضية فلسطين نفسها إلى قضية الضفة الغربية وقطاع غزة، أي أيضًا الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 مثل باقي الدول العربية.

وفيما يتصل بالوضع العربي الحالي والاستغلال الأداتيّ المحايث للمرحلة الراهنة الذي أشرنا إليه أعلاه، يخصّص بشارة فصلًا خاصًا بعنوان "الرأي العام العربيّ والقضية الفلسطينية" (الفصل الرابع والأخير) يتصدّى فيه لعملية خلق رأي عام عربي زائف يقول إنه تعب من قضية فلسطين بغية تبرير التطبيع مع إسرائيل، ويفنّد هذا التزييف من خلال نتائج المؤشر العربي، الذي يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام 2011، ويُعدّ أشمل استطلاع للرأي العام العربيّ، ويغطي من بين أمور أخرى موقفه حيال الصراع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

مهما تكن هذه النتائج، يتوقف بشارة عند اثنتين منها بالغتي الدلالة:

الأولى، أن اتجاهات الرأي العام العربي المختلفة منذ أول استطلاع للمؤشر العربي وحتى استطلاع عام 2020، تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها قضية عربيّة، وليست قضية تخصّ الشعب الفلسطيني وحده، فهناك شبه إجماع بين مواطني المجتمعات العربية المشمولة في استطلاعات المؤشر، وبنسب تزيد على ثلاثة أرباع المستطلعين، على أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب أجمعين، لا قضية الفلسطينيين وحدهم. في المقابل كانت نسبة الذين أفادوا أنها قضية الفلسطينيين وحدهم، ومن ثمّ عليهم وحدهم حلّها، تقف عند حدود 15- 16 بالمئة.

الثانية، أن أغلبية الرأي العام العربي، كما تبين نتائج كل استطلاعات المؤشر العربي حتى عام 2020، ترفض الاعتراف بإسرائيل وتعتبره بمثابة منح شرعية عربية لها، كما أنها ترفض تطبيع العلاقات معها. وتصل النسبة بهذا الشأن إلى نحو 87 بالمئة في الحدّ الأعلى، في مقابل 9 بالمئة فقط وافقوا على أن تعترف بلدانهم بإسرائيل. ومن المهم أيضًا، كما يؤكد بشارة، الإشارة إلى أن أكثرية مستطلعي البلدان التي وقعت حكوماتها اتفاقيات سلام مع إسرائيل- كما هي الحال بالنسبة إلى الأردن وفلسطين ومصر- ترفض اعتراف بلدانها بإسرائيل، وذلك بنسب متقاربة مع المعدّل العام، وتصل إلى حدّها الأعلى بين الأردنيين بنسبة 94 بالمئة. وهذا يعني أن جزءًا حتى من الذين يرون أن قضية فلسطين تخصّ الفلسطينيين وحدهم، يعارضون أن تعترف حكوماتهم بإسرائيل فضلًا عن التطبيع معها. كما أنه من المفيد الإشارة إلى أن معارضة الاعتراف بإسرائيل تزداد كلما كان المستطلع مؤيدًا للنظام الديمقراطي.
ووفقاً لنتائج استطلاع المؤشر العربيّ، تقف جملة أسباب وراء رفض الاعتراف بإسرائيل أهمها بحسب تدريج نسبة المؤيدين: أن إسرائيل دولة استعمار واستيطان؛ أنها دولة توسعيّة تسعى للهيمنة أو تستهدف احتلال بلدان في الوطن العربي وثرواته؛ أنها دولة إرهابية وتدعم الإرهاب؛ أنها قامت بتشتيت الفلسطينيين ومستمرة في اضطهادهم؛ أنها كيان يتعامل مع العرب بعنصرية وكراهية؛ أن الاعتراف بإسرائيل هو إلغاء الفلسطينيين وحقوقهم وتسليم بشرعية ما فعلته إسرائيل للشعب الفلسطيني.

نقد الحالة الفلسطينية؟

لدى تعريج بشارة على قراءة الحالة الفلسطينية يتناول على وجه التحديد ما يسميه "السلام الفلسطيني- الإسرائيلي" الذي يؤكد أنه جاء على نموذج السلام المنفرد مع إسرائيل، كما لو أنه حل لصراع بين طرفين ولد منه مصطلح "الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي"، الذي لم يكن موجودًا من قبل، بل كان ثمة "صراع عربي- إسرائيلي" في لغة الإعلام والمنظمات الدولية في الغرب، بينما استخدم مصطلح "قضية فلسطين" في الوطن العربي باعتبارها قضية عربية.
ويرى بشارة أن توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير كان الانقلاب الثاني في طبيعة قضية فلسطين بعد معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، التي أخرجت مصر من الصراع مع إسرائيل.

وانعكست نتيجة هذا الانقلاب في ما يلي:

أولًا، من ناحية أولى، أنقذ الاتفاق المذكور منظمة التحرير التي تعرضت إلى التهميش بسبب عدة عوامل بينها الخروج من لبنان في عام 1982، وموقفها من احتلال العراق للكويت، والانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في أواخر 1987، ولكنه أنهاها من ناحية أخرى لأنها تحوّلت إلى سلطة. وسرعان ما حوّلت السلطة المنظمة إلى مجرّد أداة بيدها تخرجها من أدراجها حين يلزم. وهو يؤكد أنه كان من الأفضل للشعب الفلسطيني أن تبقى المنظمة ممثلًا لمجمل الشعب وقضيته، ومتحرّرة من هذا الاتفاق الذي جعل منها مجرّد جهاز من أجهزة سلطة فلسطينية في ظل السيادة الإسرائيلية.

ثانيًا، تمثلت الدروس التي استخلصتها القيادة الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية، وإثر اغتيال ياسر عرفات في عام 2004، في أن هذا الأخير تعامل أحيانًا مع المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل بوصفها تكتيكًا، وأنه لم يكن استراتيجيًا في مقاربتها، وأن المواجهة العسكرية كانت خطأً فادحًا، والمفاوضات هي طريق الحل؛ وبهذا خطّأ التيار الذي ورث قيادة السلطة عرفات. ولكن هذه القيادة لم تتوصل، في أي مرحلة من المراحل، إلى إقناع إسرائيل والولايات المتحدة بأن المفاوضات يجب أن تجري على أسس ومبادئ بحيث توصل إلى حل عادل ودائم، فظلت إسرائيل ترى فيها "عملية سياسية" بلا نهاية خاضعة لميزان قوى لمصلحتها بصفتها صاحبة القوة والسيطرة. وخلال المفاوضات التي لا تنتهي، والتي أصبحت هدفًا قائمًا في حدّ ذاته، استمرت دولة الاحتلال في تكثيف الاستيطان (بعد أوسلو تضاعف الاستيطان) وتكريس واقع السيطرة الإسرائيلية، بوجود سلطة فلسطينية من دون سيادة على المناطق المكتظة بالسكان.

ثالثًا، في ظل هذه القيادة واستخلاصاتها من الانتفاضة الثانية، حدث الشرخ المريع والانقسام الفظيع بين سلطتي حركتي "حماس" و"فتح" في عام 2006.

ولا شك، برأي بشارة، في أن أساس هذا الصراع بين الحركتين هو التزامات اتفاقيات أوسلو وأجهزتها الأمنية، لكن أضيف إلى ذلك رغبة حركة "حماس" في حيازة السلطة في ظل الاتفاقيات نفسها والاحتماء خلف التزام الرئيس الفلسطيني بها في الوقت ذاته. وتورطت حركة "حماس" في صراع مسلح مع حركة "فتح" في قطاع غزة انتهى بتفوقها. لكن هذا التفوق قادها إلى ورطة أخرى؛ هي التفرد بحكم جزء من فلسطين مكتظ بالسكان ومحاصر، وانصرف همها الرئيس إلى بناء قدرات الدفاع عنه وتوفير مستلزمات الحكم وأسباب العيش له في ظروف الحصار. وهذه عملية جدلية تضمنت أبعادًا إيجابية؛ إذ اضطرت سلطة "حماس" إلى بناء مؤسسات عسكرية شبه نظامية لم تتوافر للشعب الفلسطيني من قبل، وكذلك مؤسسات مدنية خدمية شبيهة بتلك الموجودة في الضفة في ظروف أكثر صعوبة. كما صارت حركة "حماس" أكثر تسيسًا من ذي قبل؛ وذلك بسبب الخبرة المتراكمة في السلطة وإدارة أزمة الحصار. لكنها بنت سلطة حزبية وأجهزة أمنية حزبية مثل حركة "فتح" في الضفة الغربية.

وأدخل وجود سلطتين حزبيتين في منطقتين جغرافيتين منفصلتين الشعب الفلسطيني في مأزق، وأضعف قضيته في مقابل تصاعد قوة إسرائيل خلف قيادة اليمين المتطرف. ويشدّد في هذا السياق على أن الانقسام الفلسطيني الذي قاد إلى تشتت استراتيجيات القيادات السياسية وتناقضها على نحو غير مسبوق، هو من أهم عناصر صعود قوة اليمين الإسرائيلي، والتراجع الفلسطيني إقليميًا ودوليًا، وذلك على الرغم من تزايد التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني. كما أن معظم طاقات الحركتين وُجهت إلى الصراع بينهما، واستنزفت جهود عربية، وحتى دولية، في محاولات المصالحة بينهما، وهي جهود عبثية في رأي بشارة، لكن فشلها أساء لسمعة الشعب الفلسطيني وصورته وصدقية السلطتين؛ إذ تغلب الخلاف والتمسك بالسلطة وأجهزة الأمن في كل مرة على الالتزام بالقضية الوطنية، على الرغم من اعتراف الطرفين بأن الانقسام يضر بها.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى لم تفشل

داخل هذه القراءة النقدية للحالة الفلسطينية في صيرورتها الراهنة، يقدّم الكتاب حوصلة جديرة بإنعام النظر فيها تتعلق بالانتفاضة الفلسطينية الأولى، فحواها أن هذه الانتفاضة لم تفشل، ولكنها تراجعت تدريجيًا وتلاشت تحت وطأة أمور كثيرة في العالم أهمها تغيّر النظام الدولي وسقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار منظومته العالمية، وانهيار النظام العربي بعد احتلال العراق للكويت الذي أجهز على النظام العربي الرسميّ الذي أنجب منظمة التحرير، وتدفّق هجرة يهودية واسعة من الاتحاد السوفياتي السابق إلى إسرائيل، قادت إلى انتعاشها اقتصاديًا.
وعلى خلفية الانتفاضة الأولى، حين وُجهت دعوة بوش الأب إلى دول عربية للمشاركة في تحالف ضد العراق وفي شرعنة الحرب عربيًّا لتحرير الكويت، اضطر إلى مخاطبة القضية الفلسطينية، كما انعكس ذلك في مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد بعد الحرب في عام 1991.

ويسجّل بشارة خطأين ارتكبا بعد مؤتمر مدريد:

الأول، إصرار ياسر عرفات على أن توقّع منظمة التحرير، وليس الوفد الفلسطيني من الأراضي المحتلة منذ 1967، الاتفاق مع إسرائيل. وكان هذا خطأً فادحًا، فلو وقّع فلسطينيو الداخل الموالون للمنظمة اتفاقًا شبيهًا بأوسلو لاستمرت المنظمة بوصفها حركة التحرّر الوطني للشعب الفلسطيني إلى أن تحقق هدفها، الذي كان متمحورًا حول الدولة المستقلة، ولظلّت السلطة الناشئة ذراعًا لها.

الثاني، خطأ حلّ الوفد الفلسطيني- الأردني المشترك الذي شارك في مؤتمر مدريد، وهو خطوة لم تكن في مصلحة الشعب الفلسطيني، ناهيك عن أنها حرّرت الأردن لإبرام اتفاق سلام ثنائي مع إسرائيل من دون استعادة الأرض التي خسرها في حرب 1967، والتي أصبحت استعادتها مسؤولية منظمة التحرير. ولو بقيت منظمة التحرير والأردن يفاوضان سوية لما تجرّأ أحدهما على عقد اتفاق سلام من دون القدس، ولربما بقي الوفد المشترك يفاوض حتى اليوم.

بعد هذا التشريح للوضع العربي والحالة الفلسطينية يقدّم بشارة رؤيته المتعلقة بالإجابة عن سؤال ما العمل؟ وهي رؤية تشتمل على اقتراحات عينية وتتسم بإسهام إبستيمولوجي، وتحتاج إلى وقفة لاحقة ضمن جزء ثالث وأخير من هذه القراءة.


نُشرت هذه المادة في "ضفة ثالثة"، المنبر الثقافي التابع لصحيفة وموقع العربي الجديد.