نصر الله وبن لادن و" القاعدة".../ هاشم حمدان

جنون الغطرسة الإسرائيلية، المدعومة أمريكياً والمسلحة بأعتى ماكنات القتل والدمار، لا يمكنها أن تسمع صوت العقل والمنطق والأخلاق والقيم الإنسانية، ولا تتيح لها قراءة ما يحصل قراءة صحيحة، بالاستناد إلى القراءة العلمية لحركة التاريخ وقانون الفعل ورد الفعل.

فيزيائياً، يقول قانون نيوتن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الإتجاه" وفيما عدا ذلك فإن التوازن هو القاعدة. ويتجاوز قانون نيوتن الفيزياء ليحضر في التاريخ بشكل مكثف وواضح لا لبس فيه، فالاحتلال يولد مقاومة الإحتلال، وسلسلة ردود الفعل تلاحق سلسة الأفعال على التعاقب مهما طال الزمن...

وفي هذا الإطار تدخل المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية، وأي صوت آخر ممانع في الوطن العربي، كـ"رد فعل" على "فعل" الإحتلال، وهو صوت العقل والأخلاق، وذلك لسبب بسيط جداً هو أن مقاومة الإحتلال تنبع من البعد الإنساني أولاً.

ويتسلل القانون إلى التفاصيل الصغيرة والكبيرة، لينسحب حتى على "فعل" ارتماء أنظمة عربية في أحضان إسرائيل والولايات المتحدة، في خانة غير خانة الشعوب العربية، وهي المصنفة "معتدلة" من الزاوية الإسرائيلية، فهو يولد "رد فعل" يظهر على شكل مقاومة طبيعية لهذا الارتماء تتفاوت شدتها بحسب شدة الارتماء.

ومرة أخرى فإن غطرسة القوة النافية للعقل، تجعل مدّعي "محاربة الإرهاب" لا يدركون أن السعودي أسامة بن لادن لم يخلق صدفة أو من فراغ، ولا المصري الظواهري ولا الأردني الزرقاوي.. بكلمات أخرى فإن الإقتراب من إسرائيل بعكس رغبة الشعوب يهيئ الظروف في المقابل لظهور "قاعدي" جديد، ومدى "اعتدال" الأنظمة المنافي للعقل يخلق سلسلة من ردود الفعل تصل في بعض الحالات إلى مستويات "جنونية" لا تحكمها قاعدة ولا تحتكم إلى أي قاعدة، وسرعان ما تضيع البوصلة في حال تداخل وتباين اتجاهات الفعل.. هذه قاعدة صحيحة دوماً.. إلا أن الجنون "القاعدي" يختلف عن صوت رد الفعل المقاوم للاحتلال، وهو صوت العقل المستنير بالأخلاق والقيم الإنسانية.

وليس خافياً على أحد أن هناك عدداً من التنظيمات العسكرية الفلسطينية التي أزعجها بعض "الاعتدال" "المحبب" لإسرائيل في السلطة الفلسطينية، كادت تظهر عليها ملامح "القاعدية" وكادت تنقل السلاح من كتف إلى كتف أيضاً، إلا أن عنف الإحتلال وبوصلة مقاومة الإحتلال ظلت تحكم مسار ردود الفعل!

وفي السياق الإسرائيلي، ومهما يغالي أقطاب العسكر، فإن الدافع الإنساني للمقاومة اللبنانية يفرض حضوره بشكل واضح، ويحضر بدون استئذان، فلم يقل صدفة عامي أيالون، رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) سابقاً، الذي سبق وأن فاخر بأنه قتل عرباً أكثر مما قتل عناصر حماس يهوداً، إنه من دواعي الفخر، كرجل عسكري، أن يشرف على تنفيذ عملية نوعية معقدة ومهنية كتلك التي نفذها كوماندو حزب الله، ربما من باب التمسح بعملية نوعية جريئة. كما لم يكن بمحض الصدفة أن يعترف رئيس هيئة أركان الجيش، دان حالوتس- جزار حي الدرج في مدينة غزة، أنه رغم الغارات العنيفة المتواصلة لم ينكسر حزب الله ولم يتفكك، ويصل إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن تحطيم حركة، لأن المقاومة ليست عصابة بل "أناس يعشقون الحياة ولذلك لا يخافون الموت" ..

وتحضر المقاومة ببعدها الإنساني العاقل أيضاً، عندما يؤكد حالوتس تصريحات الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، الذي قال إن المقاومة اللبنانية لا تستهدف المدنيين إلا مضطرة، بدافع إنساني أيضاً لوقف الأذى عن المدنيين اللبنانيين، وأنها تركز على استهداف الجنود العسكريين والمواقع العسكرية. فمن جهته أكد حالوتس إن المقاومة اللبنانية أطلقت ما يقارب 1400 صاروخ وقذيفة استهدفت غالبيتها مواقع عسكرية!

وكانت صدقية المقاومة حاضرة فيما مضى عندما تناقلت وسائل إعلام إسرائيلية زيارة رئيس الحكومة في حينه، إيهود براك، إلى المستوطنات الشمالية، قبيل انسحاب جيش الإحتلال من جنوب لبنان، حيث أشار الكثير من الإسرائيليين الذين عاشوا تحت القصف، أنهم لا يصدقون أقوال براك وتعهداته، بل يصدقون أقوال نصر الله، فهو لا يكذب وينفذ ما يقوله ويتعهد به!

ولكن وفي السياق الإسرائيلي أيضاً، يطل علينا الحمق الإسرائيلي الخبيث، ليس فقط عندما يقال أن نصر الله هو بن لادن وحزب الله هو "القاعدة"، بل وعندما يهلل رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، فرحاً، وربما يترنح طرباً، وهو يكاد لا يصدق أن هناك جبهة أنظمة عربية تجاوزت "خجلها" من شعوبها في الماضي، الذي كانت تتفهمه إسرائيل بصدر رحب لتخفيف وطأة حرج الأنظمة، لتقف علانية إلى جانب إسرائيل في عدوانها الحالي. وأولمرت لا يدرك بأنه يساهم في خلق زرقاويين وظواهريين وبنلادنيين جدد. بل ويستدل من تصريحاته أن هذه الجبهة وفرت لإسرائيل فرصة تعتبرها ذهبية ولا تتكرر، مشيراً إلى أن توفر مثل هذه الجبهة هو أمر لا يحصل كل يوم، وبالتالي يجب استثمارها إلى أقصى حد للبدء بتنفيذ مخططات إقليمية ترددت الولايات المتحدة نفسها طويلاً في تحديد موعدها، بسبب تعثر "فعلها" في العراق نتيجة لـ"رد الفعل" العراقي!!

أخيراً، وهذه حقيقة، فقد طالبت أجيال عربية من المحيط إلى الخليج، في مرحلة معينة ليست بعيدة، أن تتجاوز أنظمة عربية دائرة رفع شعارات التضامن إلى دائرة رد الفعل الفاعل، وتالياً تمنت أجيال لاحقة أن تتجاوز هذه الأنظمة دائرة الصمت إلى دائرة التعبير عن التضامن، ولاحقا تحلم أجيال أن تنتقل هذه الأنظمة من دائرة التنديد والإدانة لأي رد فعل إلى دائرة الصمت..

ولكن من المؤكد أن الأجيال القادمة لن تحلم أن تنتقل هذه الأنظمة من دائرة هاوية وهابطة إلى دائرة أقل هبوطاً، ربما تكون دائرة التنديد والإدانة أعلى مستوياتها.. الأجيال القادمة لن تحلم، فدائرة الصمت هي خط فاصل، وما دونها خط أحمر.. ومن يقرأ المعادلة جيداً يدرك أنه قد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.. وإن حصل بعض الانكفاء فهو إلى حين، فقد تراكم الكثير من "الأفعال" التي تستدعي براكين "ردود الفعل"..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018