حرب إعلامية غير متكافئة

حرب إعلامية غير متكافئة

لم يفاجئنا تجنّد الصحافة الإسرائيلية للعدوان على غزة، فقد بات الأمر عاديًا، وحتى في حالات معينة مُستغرب ومُستهجن إذا ما قام الكاتب والصحافي دان مرجليت بالتخلي عن اسرائيليته لصالح مهنيته الإعلامية، فأن يقول على سبيل المثال لا الحصر "أن هنالك ضرورة لعملية رصاص مصبوب جوية"، هو أمر مقلق...لكنه طبيعيّ.

لكن ما المفاجىء حقًا، هو قوة الإعلام الإسرائيلي وتخطيطه المُبرمج لتبرير العدوان على غزة مقابل ضعف الإعلام الفلسطيني في تسويق قضيته، وإن كان هو الضحية في هذه الحالة.

لا شك أن الإعلام اليوم يعّد ساحة معركة هامة جدًا، معركة على الوعي الجماهيريّ، في الوقت الذي باتت فيه الحلول العسكرية أقل أنسانية ومرغوبة عالميًا، إن لم يكن كذلك لما قام المراقب في دولة إسرائيل عام 2008 وبعد حرب لبنان 2008 بإنتقاد آداء المؤسسة الإسرائيلية فيما يتعلق بالدعاية اثناء الحرب على لبنان، حيث خلص في تقريره السنويّ إلى أن الدعاية الإسرائيلية كانت "فاشلة" ذلك لإنعدام خطة واضحة منسقة بين كافة الهيئات التي تعمل على الإعلام الإسرائيلي. في حينه، طالب مراقب الدولة من مكتب رئيس الحكومة ولجنة المراقبة في الكنيست تقديم خطة واضحة للدعاية الإسرائيلية اثناء الحرب، هذا بالإضافة إلى تقديم توصيات وإستنتاجات تعمل على تدارك أي فشل إعلامي مستقبليّ.

في التغطية الإعلامية الأخيرة للعدوان على غزة، برز إلى جانب تجنّد الإعلام الإسرائيلي، تركيز مفرط على الدعاية الإسرائيلية، فلا تخلو أي نشرة من آراء مختصين في مجال الدعاية، ووضع إسرائيل عالميًا، خاصة وأن عدد الشهداء في الجانب الفلسطيني آخذ بالإزدياد.

ففي تقرير موسع نشر الإثنين في صحيفة "يديعوت أحرونوت" تطرق كل من، ايتمار ايخنير وساجي كوهين، إلى الدعاية الإسرائيلية، حيث اشارا خلال التقرير أنه "وفي أعقاب فشل الدعاية الإسرائيلية في كل من الحرب على لبنان وحملة الرصاص المصبوب – على غزة عام 2008- والسيطرة على سفينة مرمرة، تحضرّت إسرائيل هذه المرة جيدًا للحرب الإعلامية، حيث تم تجهيز طاقم إعلاميّ خاص قُبيل قصف أول طائرة إسرائيلية لغزة يوم الأربعاء الأخير، الطاقم الحربي الإعلامي يستعمل كافة الأسلحة المتاحة لهم – تويتر؛ فيسبوك؛ يوتيوب وإلى ما نهاية من وسائل الـ New Media - لعرض ألم السكان في اسرائيل".

لا بد وأنكم تتسائلون، من هم أعضاء الطاقم؟! وفقًا للمعلومات التي ذكرتها التقرير هم دون الـ 18 عامًا، مثال نتنئيل بونس ابن الـ 17 عامًا من أشكلون، وهم مجموعات أطلقت على نفسها "تسبيت" (رصد) قررت تسخير وسائل الإعلام الحديثة لصالحها ولمصالح الدعاية الإسرائيلية.
وإن كان الحديث يدور عن طلاب دون الثامنة عشر عامًا، إلا أنهم يعملون بصورة مبرمجة جدًا، وفق مخطط واضح، ماكينة لها أذرعتها، قسم منهم يرصد الإعلام ويقوم برد الفعل، وقسم آخر يروّج "الألم الإسرائيلي"، وثالث يحاور العالم، ورابع يحاول التأثير على التغطية لتقوم محطات كبيرة بتغيير الخطاب من "قتلى فلسطنيين" إلى "اموات فلسطينيين"، وكأن الموت داهمهم في الفراش!!.

ليس هذا فقط، فهم – جيش إسرائيل الإعلامي- مساند من قبل القيادة الإسرائيلية، فقد رصدت "تسبيت" صورة لطفل شهيد يرجح على أنه عراقيّ الجنسية على موقع الفيسبوك التابع لصحيفة "كل العرب"، لتقوم بتفعيل كافة الإتصالات لمكتب الدعاية الحكومي والذي يقرر بدوره محاسبة الصحيفة قضائيًا!، علما وإن كان الحديث يدور عن صورة خاطئة فعلا، تبقى صورة لشهيد، فهل هنالك إختلاف بين صورة شهيد من العراق وصورة طفل شهيد من غزة في الوقت الذي نتحدث فيه عن أشلاء أطفال؟!

ويطرح سؤال آخر، هل سينجح هذا الجيش الإعلامي في مساعيه لطمس الحقائق؟! هل يمكن له أن يقنع العالم على أن دماء أطفال ونساء غزة كانت تحصيل حاصل لعدوان شنته المقاومة على إسرائيل؟! الجواب على هذا السؤال نعم وبالتأكيد، وإن لم يستطع هذا الجيش في تبرير العدوان الدموي للإسرائيلي على غزة، لكنه نجح بالمساواة بين "الضحية والجلاد"، أكبر مثال على ذلك الإستطلاع الذي نشره موقع الـ "سي أن أن" والذي يتضح من خلاله على أن 57% من قراء الموقع يؤيدون العدوان الإسرائيلي على غزة بذريعة حماية مستوطنات الجنوب!

أكثر من هذا، فمجموعة الـ "الأولاد هذه" شخصّت يوم الأحد مساءً على أن هنالك تحوّل في تعامل الإعلام الغربي مع العدوان على غزة، وأن "مجزرة عائلة الدلو" باتت تخفض من الأسهم الإسرائيلية في بورصة الإعلام الغربية، فمقالة كاتب إيطالي تحت عنوان "أسوأ من النازيين بعشر مرات" والتي نشرت في صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية دفعتهم إلى تكثيف الجهود أكثر على هذا الكاتب وعدة صحف إيطالية!! بالمقابل، أوصت للقيادة في الدعاية الإسرائيلية على أن إسرائيل بدأت تفقد مصداقيتها الإعلامية عالميًا كلما طال العدوان وسقط عدد أكبر من الشهداء!...ولا عجب أن تحاول إسرائيل جاهدة في فرض حالة من التهدئة أو الهدنة.

بالمقابل، لمسنا تحشيدًا إعلاميًا فلسطينيًا، على الأقل على صفحات الفيسبوك، لكن من المؤسف الإشارة إلى غياب عمل ممنهج ومنظم، ويمكن القسوة على الإعلام الفلسطيني أكثر، بالحكم عليه بالفشل في المعركة وقبلها أيضا، إذ عكست تجربة الأيام الماضية ضعفًا بنيويًا في الإعلام الفلسطيني ارتبط أساسًا في غياب استراتيجية إعلامية موحدة للتعامل مع "حالة الحرب" تحديدًا، ولغياب منظومة دعاية إعلامية موجهة ومنظمة للإقليم وللخارج أيضا.

من المتابعة، يمكن ملاحظة غياب الجاهزية الإعلامية لتغطية أحداث كبيرة بسبب "ضياع الخطاب" بين انتماء وسائل الإعلام الفلسطينية الفاعلة لفصائل وجهات سياسية معينة وبين ما يعرف فلسطينيا "بالمصلحة الوطنية العليا" وما تفرضه هذه المصلحة على إعلامها من تنظيم المواد الإعلامية الصادرة وانتقائها وتوجيهها.

وبالمجمل، يمكن الحديث عن جملة ملاحظات نقدية، جعلت معركة الإعلام عمومًا غير متكافئة وفي غير صالح الفلسطينيين، أهمها حالة الانقسام بين الواقع المعزول بإعلامه في قطاع غزة وبين قدرة الإعلام الفلسطيني في الضفة على تغطية هذا الحدث، وان كان هناك مراسلين مندوبين في الميدان، إلا أن الأمر كان يبدو دائما وكأننا نتحدث عن "بلد آخر"، والمعلومات عن واقعه السكاني والجغرافي كانت ضبابية، في وقت تقدمت فيها الرسائل الإخبارية على القصص الإنسانية، رغم أن الأخيرة تنطوي على "رسالة بليغة" وهامة محليًا وعالميًا. فعلى سبيل المثال، ركزت كل من فضائية الأقصى وقناة القدس الفضائية وفضائية فلسطين اليوم، على الخطاب "الإعلام الحربي" الإخباري غالبًا، من خلال نقل تصريحات وبيانات الأجنحة العسكرية وعملياتها المصورة، مما أثر على مستوى " الرسالة الإنسانية " التي كان من المهم التركيز عليها لو أن هناك خطة إعلامية منظمة ومستعدة لخوض الحرب.

وبينما كانت الصحافة العبرية تعد الجمهور الإسرائيلي لعملية عسكرية منذ فترة طويلة، لم يكن للصحافة الفلسطينية أية بوصلة تهتدي بها حول ما سيحدث يوم اغتيال الجعبري وما سيجره ذلك فيما بعد. بل استمرت على سبيل المثال بعض الإذاعات المحلية حتى اليوم التالي ببث برامجها وأغانيها المعتادة، مع بعض المواجز الإخبارية عن تطورات الأوضاع، وانعكس ذلك في تساؤل على لسان الناس "هل بدأت الحرب؟".

ولا يمكن أيضا تجاهل المأزق الذي وقع به الإعلام الرسمي الفلسطيني، تلفزيون فلسطين ووكالة الأنباء الفلسطينية (وفا ) خاصة، الذي كان يخوض حملة منظمة لدعم توجه القيادة الفلسطينية للأمم المتحدة، وبشكل معزول عن أية توقعات بتصعيد عسكري تلقى المفاجأة التي شتته، بين الحشد للتوجه السلمي، وبين تغطية الحرب بل وإصدار رسالة عن ما يهب الناس للهتاف له " صواريخ المقاومة".

لكن بالعموم، لأول مرة، تتبلور في الأحداث الساخنة من للصراع، حالتان إعلاميتان لافتتان، الأولى في تفوق بعض المحطات التلفزيونية الفلسطينية في مستوى التغطية وكثافتها ويعود الفضل في هذا لفضائيتي فلسطين اليوم والقدس، إلى جانب فضائية الأقصى التابعة لحماس. وقد استفادت هذه المحطات من قربها من الفصيلين اللذين قادا المعركة من الطرف الفلسطيني، نقصد حماس والجهاد الإسلامي بالطبع. ووجود أجندة سياسية واضحة حيال ما يحدث.

وفي هذه الحالة، برز اهتمام عالٍ من هذه المحطات بالرسالة التي تبثها وسائل الإعلام الاسرائيلية، بل تعدت ذلك إلى حالة اشتباك مباشر على الهواء بين إعلام فلسطيني وآخر إسرائيلي من خلال مبارزة مباشرة عن " القاتل" و" الضحية المقاوم" بين فضائية الأقصى والقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مساء الثلاثاء.

ومقابل ذلك أيضا، لاحظ الفلسطينيون تراجعا كبيرا لدور محطات عربية كبيرة، هي "الجزيرة والعربية" تحديدًا، في تغطية منعطف ساخن في القضية الفلسطينية لصالح اهتمامها بما يجري في البلدان العربية وخاصة في سورية، مقارنة مع حجم ومستوى التغطية في حروب وأحداث فلسطينية وإسرائيلية غير بعيدة. إلى جانب صعود تغطية قناة الميادين التي يرأسها الإعلامي غسان بن جدو، ولكن ليس للحد ذاته الذي قدمته المحطات الفلسطينية المذكورة.

وفي حالة لافته أخرى، شكلت مواقع الفيسبوك والتويتر جبهة أخرى تفتح على إسرائيل، أحدثت خرقًا فعليًا في الرسالة الإسرائيلية المبثوثة محليًا وعالميًا أيضا، وإن كانت بجهود عفوية فردية غير منظمة، شارك بها صحفيون ونشطاء اليكترونيين. في وقت لم يتنبه فيه أحد لأهمية رسالة إعلامية موحدة تنقل الصورة للخارج كما يريدها الفلسطينيون لا كما يروج لها الإسرائيليون.

ورغم الكلام الكثير هنا، سيقال أكثر عن أداء الإعلام الفلسطيني كجندي ضعيف مشتت في معركة كل من فيها أقوياء، ولكن كما هو متوقع دوما، سيظل تقييم الأداء غائبا والعمل على تصويبه وتوحيد رسالته وتعزيز جاهزيته ستبقى مجرد أمنيات، مقابل حجم التنظيم الإعلامي الهائل في الطرف الآخر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018