تجربة توصية المشتركة: لا يواجه الإجماع الصهيوني إلا بإجماع عربي

تحليل || تجربة توصية المشتركة: لا يواجه الإجماع الصهيوني إلا بإجماع عربي

عرب ٤٨

"قطعت جهيزة قول كل خطيب"، وجهيزة هذه المرة هو رئيس إسرائيل، رؤوفين ريفلين، في ما يتعلق بالسجال حول الحكمة من توصية عشرة نواب من القائمة المشتركة بتكليف رئيس "كاحول لافان" بمهمة تشكيل الحكومة. فقد بيّن ريفلين أن قيمة الأصوات العربية العشرة بالنسبة له هي صفر، وأصاب بذلك في مقتل "خطاب التأثير" الذي روج له معظم قادة المشتركة، وبيّن أن العنصرية الصهيونية لا تريد للصوت العربي أن يكون مؤثرًا بالقرارات المهمة، مثل تحديد شخص رئيس الحكومة.

وقد تذرع ريفلين بعدم احتساب أصوات المشتركة بأنها غير مستعدة للدخول في ائتلاف حكومي يرأسه بيني غانتس، وهو تفسير إجرائي لم يستشر به أصحاب التوصية، كما قال النائب أيمن عودة. لكن المؤكد أن غانتس لا يريد العرب في ائتلافه بكل الأحوال ويتجه لحكومة وحدة وطنية برئاسته، مع الليكود وأفيغدور ليبرمان.

وبعد أن جرى وصف قرار التوصية بـ"الشجاع" من قبل عديدين، تبيّن أنه غير حكيم، بحكم النتيجة، وبأنه قد يرتد بالسلب على القائمة المشتركة جماهيريًا، بعدما رفعت شعار التأثير. فمن أول قراراتها اكتشفت المشتركة، وجمهورها أيضًا، أن تأثيرها بالقضايا التي تخص الإجماع الصهيوني يكاد يكون معدومًا، ولا يتجاوز المناورات الإعلامية والحملات الانتخابية واستغلالها من قبل "كاحول لافان".

ومن المفيد أن حقيقة التأثير ومداه المحصور ظهر سريعًا وخلال أقل من أسبوع، عله يكون عبرة للمستقبل بالنسبة للقائمة المشتركة، ولعله يؤثر في وجهة سفينة المشتركة ويحوّلها من التوجه نحو "اليمين – الوسط"، إلى الوحدة الوطنية والإجماع العربي، واتخاذ القرارات المبدئية والجوهرية بالإجماع.

فبعد تجربة سبعين عامًا، بات من العبث الإيمان بقدرة التأثير العربي في الإجماع الصهيوني أو في القضايا المصيرية مثل تحديد هوية رئيس الحكومة. فتجربة العرب في إسرائيل طيلة سبعة عقود، أكدت لهم أن العائق أمام رغبتهم في التأثير الحقيقي أو حتى الاندماج في السياسة والمجتمع الإسرائيليين، ليست مواقفهم الوطنية، بل العنصرية الصهيونية، وحتى لو قبلوا على أنفسهم الدخول باللعبة السياسية الصهيونية بشروطها، فإنهم لن يستطيعوا فعل ذلك لأن عنصرية الدولة وأحزابها الصهيونية، بيمينها ويسارها، ستحبط هذه الرغبة.

وحتى لا يرتد "خطاب التأثير" على المشتركة سلبًا، على قادتها أصحاب هذا الخطاب، أن يصارحوا جمهورهم بأن التأثير في نظام عنصري هو محدود جدًا، وأن التوصية كانت محاولة للتأثير، لكن ثبت فشلها والرهان عليها بسبب العنصرية الصهيونية.

عودة خلال الحملة الانتخابية (أ ب)

ووعد النائب عودة، أمس الأربعاء، متابعيه في "فيسبوك" بحديث صريح وصادق، لكنه ظهر مرتبكًا حتى لا نقول شعبويًا، يحاول تبرير خسارة رهانه/ معركته على التوصية بغانتس، وحاول التعويض عن خيبته بحديث طويل مرتبك، و"الكشف" أمام المتابعين عن طبيعة الاتصالات مع "كاحول لافان"، وهي في الحقيقة لم تحمل جديدًا، لأن خلاصتها بأنه لم يحصل على أي تعهد جدي أو مكتوب من غانتس. لذلك، كان الأجدر أن يقر بأنه راهن رهانًا ولم ينجح، بدل الحديث الطويل الذي قارب الأربعين دقيقة، ظهر فيها النائب عودة مشوشًا ومرهقًا، بعد أن خاض معركة طيلة أسبوع لا تخصه من بعيد ولا من قريب، بل استدرج إليها واستدرج آخرين معه.

آن الأوان أن تنهي مركبات المشتركة المعركة الإعلامية على شبكات التواصل وفي وسائل الإعلام، وأن تخرج موحدة لجمهورها، وأن تستثمر تجربتها القصيرة بمسألة التوصية لاستخلاص العبر وتعزيز الصفوف وتقوية الإجماع، وأن تدرك مركباتها التي باعت وهم التوصية، بأن من يزرع الأوهام يحصد الخيبة. وقد أثبتت التجربة القصيرة صحة موقف التجمع الوطني الديمقراطي بشأن امتناعه عن التوصية حتى لو كلفه ذلك ثمنًا سياسيا في الرأي العام. لكن هذا هو دور القيادة والأحزاب. وأكد التجمع أن السياسة ليست فقط تمثيل مصالح وإنما أيضًا تمثيل مواقف شرائح حتى لو لم تكن أغلبية. هذا هو الفرق بين السياسة واللوبينغ (جماعات الضغط)، أي الفرق بين تمثيل المواقف والمطالب، وتمثيل المصالح الضيقة المؤقتة.

يهمنا أن تصوب المشتركة مسارها وأن تحفز جمهورها على النضال والعمل السياسي، بدلاً من بيع الأوهام بالتأثير الجدي بالإجماع الصهيوني. مع كل انتخابات برلمانية، تتعزز الأحزاب اليمينية وتنزاح "أحزاب الوسط" نحو اليمين، ما يعني أن هامش التأثير يتقلص أكثر وأكثر، وهذا لا يتعلق بمدى "انفتاح" خطاب الأحزاب العربية على التأثير والدخول في اللعبة السياسية الإسرائيلية.

لا يواجه الإجماع الصهيوني إلا بإجماع عربي وطني، وليس بالتوصية على جنرال يفتخر بقتل الفلسطينيين، ولا تُفصّل المواقف الشجاعة الحقيقية على مقاس استطلاعات الرأي أو "الجمهور عايز كدا" (وهي تعكس مزاجًا وليس رأيًا، استثمر فيه ملايين الدولارات مؤخرًا وبتضليل من الإعلام الإسرائيلي وبتواطؤ سياسيين)، بل العكس هو الصحيح. القيادة الشجاعة هي التي تعمل على بلورة الرأي/ المزاج العام بلا تضليل، وليس أن تتستر خلفه بعدما ضللته، خصوصًا إذا ما كان هذا الرأي العام يواجه نظامًا عنصريًا ليس سهلا التأثير به بالمرة، إلا بالنضال المنظم والحشد الجماهيري. تترتب على القيادات مسؤولية القيادة، وهذا يشمل إستراتيجية عمل وموقف وتوعية.

لا يواجه الإجماع الصهيوني إلا بإجماع عربي وطني، ومن يزرع الأوهام سيحصد الخيبة، حتمًا، بسبب عنصرية النظام الصهيوني.