منصور عباس لاعب متمرن في ملعب المحترفين

منصور عباس لاعب متمرن في ملعب المحترفين

من يقرأ التفاهمات التي توصلت إليها الأحزاب العربية ("الجبهة الديمقراطية" بقيادة توفيق زيّاد، و"الحزب العربي الديمقراطي"، بقيادة عبد الوهاب دراوشة) مع حزب "العمل" لضمان دعمهم لحكومة يتسحاق رابين من الخارج ( الجسم المانع) يدرك حجم التغيّرات التي طرأت على الساحة السياسية الإسرائيلية أو ما يسميه الإسرائيليون بالانقلاب، الذي حدث بعد مقتل رابين.

التفاهمات التي جاءت على شكل رسالة بعثها الوزير موشيه شاحل، الذي أدار في حينه مفاوضات تشكيل الحكومة، إلى زيّاد ودراوشة، كلا على حدة، وتضمنت مواقف حزب "العمل" في موضوع السلام والمساواة والمواضيع الاجتماعية، بعد المفاوضات التي دارت بينه وبين الحزبين، كلّا على حدة أيضًا، تبيّن إلى أي مدى ذهب "العمل" الذي وقف، في حينه، على رأس المعسكر المناهض لليكود واليمين في القضيتين مقابل انحطاط ونكوص وريثه "كاحول لافان".

في موضوع السلام، عبّرت التفاهمات عن التزام حزب "العمل" الذي سيرأس الحكومة بمسيرة السلام، التي بدأت في مدريد بمشاركة الفلسطينيين والامتناع عن أي خطوات من شأنها التشويش عليها، إلى جانب إعادة النظر في الإجراءات المتّخذة في المناطق المحتلّة، وملاءمتها لمعايير سلطة القانون واحترام حقوق الإنسان واتفاقيّة جنيف الرابعة إضافة إلى الالتزام بالعمل على إلغاء القانون الذي يجرّم اللقاء مع شخصيات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ومعلوم أنّ التفاهمات في قضايا السلام لاقت ترجماتها على الأرض. وبغضّ النظر عن مآلات هذه الترجمات وتداعياتها واختلافنا أو عدم اختلافنا معها، إلّا أنّها شكّلت، في حينه، خطوات نوعية خَطّتها حكومة رابين، المدعومة بالجسم العربي المانع على هذا الصعيد، على رأسها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية.

ورغم أنّ التفاهمات في موضوع "المساواة" كان حظها أقّل تطبيقا على الأرض، بالنظر إلى المدى القصير لعمر الحكومة، إلا أنّ التطبيقات الأولية أشارت إلى توجّهات جديدة وانتعاشٍ ملموسٍ في الاستثمار في المجتمع العربي وتغييرٍ في السياسة الحكومية المعتمدة تجاهه، علمًا أنّها شملت قضايا جوهرية تقع في صلب الحقوق الجماعية، مثل تعديل القانون الذي يعتبر أملاك الوقف الإسلامي أملاك غائبين ونقل إدارته إلى لجنة إسلامية، وإقامة لجنة لموضوع إرواء سهل البطوف، وحلّ مشكلة القرى غير المعترف فيها في الشمال، المعروفة بقرى الأربعين وفحص إمكانية إقامة جامعة عربية.

ومن الواضح أنّ هذه التفاهمات هي وليدة ظروفها، مثلما أنّ حكومة رابين والجسم العربي المانع وليدا ظروفهما، فالأحزاب العربية (الحزب الشيوعي كان وحيدا في فترة معينة) كانت في الكنيست قبل ذلك، وأمضت سنوات طويلة جلّها تحت الحكم العسكري وتحت حكم حزب "العمل" بتسمياته المختلفة ولم تتحالف مع حزب الليكود الذي عارض الحكم العسكري (لأسبابه) لإسقاط الحكم العسكري، رغم الجرائم التي ارتكبها الأخير في كفر قاسم وانتفاضة يوم الأرض وغيرها، كما أنّها لم تتحالف أو تدعم حزب "العمل" لإسقاط حكومة الليكود من الحكم قبل عام 1992 في تجربة الجسم المانع خلال حكومة رابين الثانية.

ومن المعلوم أنّه - ومنذ حرب لبنان الأولى عام 1982 وما أحدثته من معارضة واحتجاجات عارمة في الشارع الإسرائيلي - بدأت تتبلور حركة سلام إسرائيلية عرفت لاحقا بـ"السلام الآن" تطالب بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، تعاظمت واتسعت قاعدتها خلال الانتفاضة الأولى التي حظيت بتعاطف العالم قاطبة ووضعت حقوق الشعب الفلسطيني وحدود مطالبه أمام الشارع الإسرائيلي، وكسرت سياسة تكسير العظام التي قادها رابين نفسه، كوزيرٍ للأمن.

هذه الظروف أنضجت معسكر سلام واسعًا مثّل القاعدة الجماهيرية التي جلبت حزب "العمل" إلى سدّة الحكم عام 1992، وشكّلت الأحزاب العربية موضوعيًا جزءا منه، فكانت عملية إقامة الجسم المانع بمثابة تحصيل حاصل لظروف أثمرت وقادت إلى ما قادت إليه.

العملية تلك انقطعت بمقتل رابين والانقلاب الإسرائيلي على ما سمي بعملية السلام بانتخاب غريمه بنيامين نتنياهو وليس وريثه شمعون بيرس. بل هناك من يعتقد أنّ الانقلاب بدأ منذ عهد حكومة بيرس الانتقالية، في حين بدأ خطأ الأحزاب العربية منذ أن دعمت مرشح حزب "العمل"، إيهود براك، الذي كان معارضا لاتفاق أوسلو والمعروف بمواقفه اليمينية عام 1999.

ورغم أنّ انتخابات رئاسة الحكومة كانت مباشرة، إلا أنّ الضوء الأخضر الذي أعطته الأحزاب العربية لجماهيرها بالتصويت لبراك، هو الذي جعل 90% من جماهيرنا تصوت له وتوصله إلى رئاسة الحكومة. هذه الأحزاب لم تلتفت إلى أنّها منحت رئيس أركان الجيش الأسبق أصواتها مجانا، دون أن تبرم معه أي اتفاق أو تحصل على أيّة ضمانات، فكانت صدمتها قوية عندما استثناها الأخير من الدعوة لمشاورات تشكيل الحكومة التي دعا إليها جميع الأحزاب الإسرائيلية، ببساطة لأنه كان يمتلك أغلبية يهودية.

لم تشأ الأحزاب العربية في اختبار نوايا براك قبل الانتخابات ومدى التزامه بمسار السلام والمساواة - إن لم نقل إلزامه أخلاقيا من خلال اتفاقيات وتعهدات مقابل الأصوات التي سيحصل عليها من قبل جماهيرها - فكان أن قلب لها ظهر المِجنّ وحلّل لشارون انتهاك المسجد الأقصى وصك مقولة "عدم وجود شريك فلسطيني" وقتل أبنائنا شهداء انتفاضة الأقصى.

وذوّبت مقولة "عدم وجود شريك فلسطيني" جميع الفروقات التي كانت قائمة بين الليكود و"العمل"، ومهّدت لانضمام الأخير إلى حكومات الليكود المتعاقبة التي احتل فيها بنيامين بن إليعيزر وبراك نفسه على التوالي وزارة الأمن، بينما عمل شمعون بيرس بصفته وزير خارجية على تلميعها دوليا.

الإجماع الإسرائيلي تُوِّجَ بتشكيل "كاديما"، الذي أسّسه شارون وانضم إليه بيرس ونخبة من حزبي الليكود و"العمل"، والذي "مَرْكَزَ" الساحة الإسرائيلية حول ثوابت جديدة قصّرت المسافة بين أطرافها التي أصبحت تمتد من نتنياهو حتى شارون ثم خليفته أولمرت، بعد أن قضى على ما عرف بمعسكر السلام.

وكان من الطبيعي أن يفرز اضمحلال "كاديما "حزب مركز آخر، بدأ بحزب "ييش عتيد" (2013)، الذي يرأسه يائير لبيد، وتوسّع مع انضمام الجنرالات إلى "كاحول لافان" ليوجّه الضربة القاضية لحزبيّ "العمل" و"ميرتس" ويضع أجندة جديدة للسياسة الإسرائيلية، تقف في مركزها صيانة الديمقراطية ومؤسسات الدولة الليبرالية ونظافة اليد، بعد إسقاط القضايا السياسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية من جدول أعمال المجتمع الإسرائيلي.

من هنا جاء شعار إسقاط نتنياهو لأنه فاسد ويشكّل خطرا على مؤسسات الحكم السوي، وليس لأنه يميني متطرف رافض للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والانسحاب من أراضيه المحتلة، وكان تأييد بيني غانتس - رئيس "كاحول لفان" - لضم الأغوار ولخطة ترامب ورفضه للجلوس مع العرب أو دعمهم الخارجي لحكومة برئاسته واضحا وضوح الشمس قبل الانتخابات، ولاقى ترجمته بعد الانتخابات بتفضيل الالتحاق بحكومة نتنياهو على تشكيل حكومة برئاسته مدعومة من العرب، رغم امتلاكه 61 مقعدا لتشكيلها.

وللأمانة، فإنّ الجنرال غانتس لم يضلّلنا، نحن العرب، كما فعل بيرس وبراك نوعا ما، فقد كان واضحا وصريحا منذ البداية في رفضه للاتكاء على أصوات العرب في أي سيناريو، إلا أنّ هناك من بيننا مَن أصرّ على أن يصنع منه رابين ليجعل من نفسه توفيق زياد، دون إدراك أو رغم إدراكه للتحولات العميقة التي مر بها المجتمع الإسرائيلي والانقلاب الذي حدث.

هؤلاء أدخلوا "السياسة" العربية وأدخلوا أنفسهم في مأزق بات معه أي مناورة أو تفاهم أو مقايضة مع الليكود، حتى لو كان بثمن تحقيق بعض الإنجازات لجماهيرهم، بمثابة "خيانة" لشعار إسقاط نتنياهو الذي جرى ترسيخه في أذهان الناس.

ربطوا أيديهم بأيديهم بحيث صارت من الصعب عليهم السباحة في "مستنقع" الكنيست المليء بالملوثات، وباتت مناورات مثل الامتناع عن التصويت على قانون الغاز مقابل تحويل ميزانيّات للعرب، أو وضع خطة اقتصادية أو الامتناع عن التصويت مع قوانين مضرّة بالحريدييّن مثل قانون التجنيد والامتناع عن التصويت ضد عودة يعكوف ليتسمان لوزارة الصحة وإقرار خطة كورونا وغيرها من الأحابيل البرلمانية "العادية"، تمرّر من تحت الطاولة وبسرية تامة، وإذا ما كشفت يجري التعامل معها على أنّها خيانة عظمى.

ولعبت الأقطاب الواعية لمأزق المشتركة ذاك بذكاء، متحاشية أن تفضح نفسها أمام جماهيرها، علمًا بأنها تسابقت في ما بينها على عقد مثل تلك الصفقات بغية تحقيق بعض الإنجازات، وفي هذا الباب فإنّ النائب عن "الحركة الإسلامية"، منصور عباس، هو لاعب متمرّن في هذا الحقل، عيبه أنّه لم يتقن أصول لعبة "الكبار" أو ربما اختار الإجهار والذهاب بعيدًا بعض الشيء، عمدًا، ليثبت أنّه قادر على خوض هذا المضمار بنجاح أيضا، وينطبق عليه في هذا السياق المثل القائل "علمناه على الشحدة سبقنا على الأبواب".

ولعلّ المفارقة تكمن في أنّ الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها واتهموا الأخير بالتواطؤ مع الليكود، في قضية إعادة التصويت خلال إدارته لجلسة الكنيست التي جرى فيها التصويت على إقامة لجنة تحقيق في قضية الغواصات (والمقصود أعضاء المشتركة) اكتفوا بالامتناع عن التصويت، وهو ما يثير تساؤلات حول وجود صفقة بينهم وبين نتنياهو وليس بين منصور عباس ونتنياهو فقط.

خلاصة القول إنّ الشعار الخاطئ الذي رفعته المشتركة بـ"إسقاط نتنياهو"، ليس أنّه قادها إلى التوصية على غانتس التي عززت من فرصه لتشكيل حكومة وحدة مع نتنياهو فقط، بل قيّدت من حرية حركتهم البرلمانية ومجال مناوراتهم، وفرضت عليهم التعامل بمبدأية في حلبة لا تعرف المبادئ.

وللخروج من هذا المأزق على المشتركة مراجعة موقفها والاعتراف بأنّ شعار "إسقاط نتنياهو" كان شعارا خاطئا، وأنها حاولت استنساخ تجربة سابقة دون الالتفات إلى التغيّرات الحاصلة في المكان والزمان، ولذلك كان محكوما عليها بالفشل، وهو ما يزال يفشل عملها ويحد من حركتها ونشاطها وقد يفضي - إذا ما واصلت التمسك به - إلى تفكيكها.

القراءة الصحيحة للخارطة الإسرائيلية الجديدة تفيد أنّنا أمام معسكرين أو أكثر لا توجد خلافات جوهرية بينهما، على غرار "العمل" والليكود قبل حكومة رابين الثانية، ولذلك من المشروع المناورة بينهما ضمن صفقات وتفاهمات تكتيكية للحصول على بعض المكاسب لجماهيرنا، وإلا لا فائدة من وجودنا في الكنيست.

وفي غضون ذلك، ما يزال البعض يحاول "تبييض" أصواتنا وتحويلها إلى شرعية وقابلة للاعتماد عليها في تشكيل حكومة قادمة، من خلال تشكيل أو تجمّع سياسي عربي- يهودي، لا تنفك المحاولات والدعوات إلى تأليفه عن الظهور، كان آخرها دعوة أبراهام بورغ ومجموعة من أعضاء الكنيست السابقين من "ميرتس" ويسار حزب "العمل"، التي نشرتها "هآرتس"، وما يقابلها من مجموعة عربية ظاهرة وأخرى غير ظاهرة، تسعى لاستبدال المشتركة العربية بقائمة عربية يهودية تحظى بالشرعية الإسرائيلية.