هزيمة حزيران: القنيطرة أجمل المدن صارت مدينة أشباح

هزيمة حزيران: القنيطرة أجمل المدن صارت مدينة أشباح
(مدينة القنيطرة)

(شهادة: بهية أبو جبل - الجولان المحتل)


حتى نفهم ما حدث حقيقة خلال عدوان حزيران عام 1967، وحتى نفهم ونتفاهم حول ما يحدث الآن من جرائم وعمليات قتل وتهجير وتصفية واغتيال تقوم بها ذات المؤسسة الإرهابية التي نفذت جريمة النكبة الفلسطينية عام 1948، وجريمة النكسة عام 1967 والاجتياح الكبير لبيروت عام 1982، وما بينهما من عمليات قتل وإبادة استهدفت الأرض والإنسان والجغرافيا والتاريخ العربي العريق في هذه البقعة من البلاد العربية، لا بد لنا من فتح جراح الماضي، ومحاكاة الوجع الرابض في تلك النفوس التي ما زالت تحيا على أمل أن تحمل من بعدها للأبناء والأحفاد حكاية حب وعشق لا يتقنها إلا من عاشها بحلوها ومرها.

كُتب الكثير عن حرب حزيران، ونشرت موسوعات عسكرية وسياسية في أسبابها ودوافعها ونتائجها، لكن أيا منها لم تعط الجواب الصريح الذي يشفي حالات القهر والحرمان والعذاب الذي يعشعش في صدور ضحاياها الحقيقيين بعد مرور نصف قرن على حكاية الهزيمة العربية في حزيران.

شهادة بهية أبو جبل، زوجة المرحوم، سامي يوسف أبو جبل (72 عامًا)

مكان الإقامة الحالي: الجولان المحتل/ مجدل شمس

كان بيتنا في مدينة القنيطرة بالقرب من شعبة التجنيد، حيث اضطر زوجي إلى بيع أرض كانت ملكًا لنا من أجل شراء بيت كبير مع حديقة واسعة أمامه. كان زوجي يملك محلا للأدوات والأدوية الزراعية، والمحل مفتوح للجميع، الحمد لله كان وضعنا الاقتصادي ممتازًا قياسًا إلى تلك الأيام; فنحن عائلة مكونة من خمس بنات وثلاثة شبان.

حين اندلعت الحرب في سنة 1967، كان في ضيافتنا أصدقاء من جبل العرب، وكانت ابنتي المولودة حديثا ما تزال في يومها الأربعين، وابني مع ابن عمه كانا يدرسان في الغرفة. فجأة سمعنا هديرًا، وحين خرجنا لنرى ما الذي يحدث، رأينا الطائرات الإسرائيلية، فأصابنا خوف كبير منها لأنها كانت منخفضة جدًا، وسمعنا من الناس أن الحرب قد اندلعت بين سورية وإسرائيل.

مكبرات الصوت تطلب من الناس الرحيل

كنا نرى كيف معظم الرجال قد حملوا بنادقهم، وآخرون يركضون لا حول ولا قوة لهم، وصراخ النسوة وبكاء الأطفال كان يعلو صوت الطائرات وأصوات القصف. ونحن مثلنا مثل كل الناس، خرجنا إلى الشارع، لم نحمل شيئًا معنا من البيت، حتى أننا نسينا البنت الصغيرة داخل سريرها إلى أن اكتشفت أنها غير موجودة معنا، فعاد زوجي مسرعًا ليأخذها، وحتى الطبيخ بقي على النار لأننا كنا سنعود قريبًا إلى منزلنا، إلا أن الرعب كان شديدًا جدًا، ومكبرات الصوت تطلب من الناس الرحيل، ورغم وجود الملاجئ بكثرة في المدينة وداخل كل الأحياء، إلا أن أحدًا لم يطلب من السكان الاحتماء فيها، والأصوات التي علت من مكبرات الصوت لم تكن سورية بكل تأكيد، لم نعرف مصدرها.

تركنا بيتنا بكل ما فيه وهربنا إلى مجدل شمس ومشينا مسافة 15 كلم. في الطريق كنا نرى الدبابات السورية تسير جنبًا إلى جنب، والطائرات تملأ الجو ذهابًا وإيابًا.

في مجدل شمس سكنا في الأيام الأولى لدى شقيق زوجي، وبعدها كان لنا صديق للعائلة اسمه محمد الأطرش، وهو مسؤول في قيادة الأركان السورية. وبعدها سكنا في مخفر تابع للشرطة السورية كان مهجورًا في مجدل شمس حتى تهدأ الأمور وتتضح أكثر، ولكن مكثنا فيه عدة سنوات.

بعد أن هدأت الأحوال بعدة أيام، جاء الحاكم العسكري الإسرائيلي إلينا وكان اسمه، شموليك، وقال بالعربية إن هذه الأرض تابعة للحكومة الإسرائيلية، فقلت له إننا أتينا من القنيطرة، فسألني لماذا هربتم من القنيطرة؟ فقلت له: خفنا. فقال: هذا كذب لم يكن هناك سبب للخوف. فقلت له: أنت من يكذب. فسخروا مني جميعهم، ثم قال إنه يريد الأوراق والأدوات وكل الأرشيف الذي كان في المخفر. لم نسمح له بالدخول والتفتيش وقلت له: إنني لا أملك الحطب وكل ما كان في المخفر حرقته طلبًا للخبز والطعام فجن جنونه، وبدأ بتفتيش البيت 'المخفر'، ولم يجد شيئًا على الإطلاق، إلا أنه نظر إلى صورة على الحائط، وقال إنه يريد مصادرتها لأنها لأحد المسئولين في الأركان السورية، وهي صورة محمد الأطرش، (صديق العائلة)، فقلت له: اليد التي تمتد على الصورة سوف تكسر، ولم نسمح له بأخذها أبدًا.

كانت القنيطرة عامرة ومليئة بالحياة

بعد الحرب كنا على أمل أننا سوف نعود إلى بيتنا في القنيطرة، إلا أن ذلك الأمل طال انتظاره وما زلت لغاية اليوم أتضرع وأتمنى أن أعود إلى بيتنا في المدينة، رغم أنه لم يتبق منه، ومن المدينة، أي شيء اليوم سوى مشفى مُدمّر وجامعين وكنيسة واحدة، كلها تعرضت للتخريب.

في الأشهر التي تلت الحرب، سمحت إسرائيل للنازحين عن المدينة الذين سكنوا مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة،  بالذهاب إلى القنيطرة بتصريح خاص ليستطيع الناس استعادة ممتلكاتهم وأغراضهم التي بقيت في المدينة، واستطعنا أن نجلب قسمًا منها، لأن البيوت والمنازل التي تركناها كانت قد نُهبت وسُلبت، وفقدنا أغراضًا ثمينة كانت بحوزتنا في البيت. كان لدينا ثلاثة مخازن مليئة بالبضائع والأقمشة والأدوات الزراعية كلها نهبت وسرقت من قبل اليهود. أما من تبقى من سكان القنيطرة ولم يغادرها، كانوا حوالي ثلاثة آلاف شخص، فقد أجبرتهم إسرائيل على التجمع في حي سكني واحد لغاية منتصف عام 1968، وبعدها طردوهم من المدينة إلى دمشق والمخيمات التي أقيمت لهم في محيطها. وقام الجيش بعملية تجريف واسعة للأحياء الأخرى من المدينة بهدف تخريبها وتدميرها المتعمد، رأينا ذلك بأم أعيننا، وكيف كانت البلدوزورات والجرافات تدمر المنازل، ويقتحمون الأبواب ويسرقون المحلات التجارية ويحملونها على متن الشاحنات.

لم أر مثيلا للقنيطرة

القنيطرة كانت عامرة ومليئة بالحياة، حيث كانت مختلطة فيها شركس وتركمان ومسيحيون وشوارعها كانت جميلة جدا، لقد زرت مدن حيفا والناصرة إلا إنني لم أر مثيلا للقنيطرة، كذلك سكن المدينة فلسطينيون هُجِّروا عام 1948 من وطنهم، وكانوا يعملون ويسكنون في كل مكان، وكانت النساء تعمل أيضًا في التدريس والتمريض، وكان هناك معارض التفاحيات والكرمة، ما زلت أذكرها جيدا. كما وأذكر أنه كان هناك مشفى الجولان حيث العلاج والدراسة والتعليم  مجاني، ومركز تجاري كبير وسوق للحبوب وسوق للحيوانات، ومعامل البلوك والبلاط والحلويات. وهناك أندية رياضية مثل، الطليعة والحرية، ومعمل للنسيج والسجاد والخياطة والصوف، ولا أنسى طبعًا العروض العسكرية الدائمة التي كانت تجري في المناسبات الوطنية مثل عيد ثورة الجزائر، وعيد الوحدة المصرية السورية، وعيد الجلاء والثامن من آذار.

مدينة القنيطرة كانت متقدمة ومتطورة قياسًا إلى باقي المدن والقرى السورية الأخرى، كان نصف سكان المدينة تقريبًا من أبناء كافة المحافظات السورية الذين أتوا طلبا للعمل في المدينة. إضافة إلى وجود بيت لعائلة، الملك حسين، حيث كان يأتي والده، الملك طلال، للاستراحة فيه.

وبعد خمس سنوات من النزوح عن المدينة، قررنا أن نبني بيتًا في مجدل شمس، وما زالت الذكريات والأوجاع تلاحقنا، فهناك كبرت وعشت أجمل سنوات عمري، وضعنا دم قلوبنا في بيتنا هناك الذي بنيناه من الحجر الأصلي.

بعد أربعين عامًا أود لو أعود إلى القنيطرة، أحلم بأن أعود إلى هناك، وعندما طلبت السلطات السورية لاحقا أوراقا ثبوتية من نازحي القنيطرة، رسم ابني، بسام، والذي كان عمره ست سنوات في ذلك الحين، بيتنا بالتفصيل، مخطط البيت وتفاصيله وكل زاوية من زواياه وكل غرفة وحديقته الواسعة. اليوم لم يتبق سوى الأمل بالعودة والذكريات الأليمة التي لا تفارقنا أبدًا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


دور إيران في حرب 1967

دور إيران في حرب 1967

القصة القصيرة داخل فلسطين المحتلة بعد هزيمة حزيران

القصة القصيرة داخل فلسطين المحتلة بعد هزيمة حزيران

الاجتماع الأخير: كيف قررت إسرائيل شن عدوان على العرب؟

الاجتماع الأخير: كيف قررت إسرائيل شن عدوان على العرب؟

القصة القصيرة في فلسطين المحتلة بعد هزيمة حزيران

القصة القصيرة في فلسطين المحتلة بعد هزيمة حزيران

مدكور أبو العز: أعاد بناء سلاح الطيران المصري بعد الهزيمة

مدكور أبو العز: أعاد بناء سلاح الطيران المصري بعد الهزيمة

هزيمة 1967 فتحت أبوابًا موصدة في الإبداع...

هزيمة 1967 فتحت أبوابًا موصدة في الإبداع...

380 ألف مستوطن بالضفة 44% بمستوطنات خارج الكتل

380 ألف مستوطن بالضفة 44% بمستوطنات خارج الكتل

بعد 50 عامًا: 5% من أراضي القدس بقيت للعرب

بعد 50 عامًا: 5% من أراضي القدس بقيت للعرب

صحافة النكسة: نشوة الاحتلال والنكوص العربي

صحافة النكسة: نشوة الاحتلال والنكوص العربي

خمسون عامًا: القدس كئيبة في ذكرى احتلالها

خمسون عامًا: القدس كئيبة في ذكرى احتلالها

صحافة النكسة: مصر تتوغل داخل إسرائيل؟

صحافة النكسة: مصر تتوغل داخل إسرائيل؟

انتفاضة 1987 قادها جيل الهزيمة...

انتفاضة 1987 قادها جيل الهزيمة...

العمليات العسكرية يوما بيوم في حرب حزيران 1967

العمليات العسكرية يوما بيوم في حرب حزيران 1967

للوطن العربي جناحان: المشرق والمغرب

للوطن العربي جناحان: المشرق والمغرب

إسرائيل درست إلقاء قنبلة ذرية بسيناء عشية حرب 1967

إسرائيل درست إلقاء قنبلة ذرية بسيناء عشية حرب 1967

"ديان عارض مهاجمة سورية والانسحاب السوري قبل الهجوم دفعه للحرب"

سعد الدين الشاذلي: بارقة الضوء الوحيدة في هزيمة حزيران

سعد الدين الشاذلي: بارقة الضوء الوحيدة في هزيمة حزيران

الصدمة الفكرية في نقد صادق جلال العظم لما بعد الهزيمة

الصدمة الفكرية في نقد صادق جلال العظم لما بعد الهزيمة

حرب حزيران 1967: خوف من الانتقام وتكرار النكبة

حرب حزيران 1967: خوف من الانتقام وتكرار النكبة

سليمان أبو شاهين: حملت بارودة من المقاومة الشعبية

سليمان أبو شاهين: حملت بارودة من المقاومة الشعبية

كاريكاتير الهزيمة: انفصال عن الواقع اتساق مع الخطاب السياسي

كاريكاتير الهزيمة: انفصال عن الواقع اتساق مع الخطاب السياسي

عبد الناصر والنصر الموعود!

عبد الناصر والنصر الموعود!

الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لحرب حزيران

الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لحرب حزيران

هزيمة حزيران عمقت جراح النكبة الفلسطينية

هزيمة حزيران عمقت جراح النكبة الفلسطينية

هزيمة حزيران: معسكر بانياس ومقر الشرطة كانا خاليين

هزيمة حزيران: معسكر بانياس ومقر الشرطة كانا خاليين

أشهر مذيعي العرب هدد اليهود بإلقائهم في البحر

أشهر مذيعي العرب هدد اليهود بإلقائهم في البحر

هكذا أسست إسرائيل جهاز الاحتلال عام 1967

هكذا أسست إسرائيل جهاز الاحتلال عام 1967

أسدي: عبد الناصر رفع هاماتنا وأحيا العروبة فينا

أسدي: عبد الناصر رفع هاماتنا وأحيا العروبة فينا

الهزيمة ليست عسكرية فقط: إعلام النكسة

الهزيمة ليست عسكرية فقط: إعلام النكسة

من دفاتر هزيمة حزيران - تل العزيزيات

من دفاتر هزيمة حزيران - تل العزيزيات

أيار 1967: التوتر يسود الجبهتين السورية والمصرية

أيار 1967: التوتر يسود الجبهتين السورية والمصرية

مؤتمر خمسون عامًا على حرب يونيو1967: قراءة بالرواية الإسرائيلية

مؤتمر خمسون عامًا على حرب يونيو1967: قراءة بالرواية الإسرائيلية

حرب حزيران 1967.. مطالعة بعد 50 عاما

حرب حزيران 1967.. مطالعة بعد 50 عاما

أرشيفهم وأرشيفنا...

أرشيفهم وأرشيفنا...

"بروتوكولات حرب 67"

الرقابة الإسرائيلية حذفت مقاطع من بروتوكولات الحكومة بحرب حزيران

الرقابة الإسرائيلية حذفت مقاطع من بروتوكولات الحكومة بحرب حزيران

غازيت: علمنا بحال المدرعات المصرية البائس قبل حرب 67

غازيت: علمنا بحال المدرعات المصرية البائس قبل حرب 67

ما هي حرب 1967؟

ما هي حرب 1967؟

النكسة في الدراما العربية

النكسة في الدراما العربية

"حديث المقاتلين": شهادات جنود إسرائيليون على جرائم حرب 1967

محاضر إسرائيلية لعدوان حزيران:

محاضر إسرائيلية لعدوان حزيران: "السماح" للفلسطينيين بالنزوح شرقا

حرب حزيران 1967 كما عايشتها.../ د.محمد عقل

حرب حزيران 1967 كما عايشتها.../ د.محمد عقل