أسامة السلوادي: بعدستي أتتبّع رحلة الطعام الفلسطينيّ

حلونجي يعدّ عجينة القطايف في رام الله | عدسة أسامة السلوادي

يطلق المصوّر الفلسطينيّ أسامة السلوادي، الذي تقدّمه الصحافة الثقافيّة بصفته 'موثّق التراث الفلسطينيّ' بصريًّا، مشروعه المسمّى 'رحلة في تاريخ الطعام الفلسطينيّ'، وهو أوسع بكثير من كونه توثيقًا بصريًّا للأكلات الشعبيّة الفلسطينيّة.

اختار السلوادي العودة إلى الجذور، ناظرًا إلى الطعام بصفته أساس الحضارة، والزراعة أساس الطعام، وفلسطين منشأ الزراعة تاريخيًّان وقد توجّهت إليه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتقف أكثر على تفاصيل المشروع الأوّل من نوعه في بلادنا، فكان الحوار التالي.

تعمل منذ مدّة على توثيق المطبخ الفلسطينيّ بصريًّا، كيف كان المنطلق؟ وإلى أين وصلت اليوم؟

انطلق مشروع توثيق الأكلات الشعبيّة الفلسطينيّة، والذي أطلقت عليه اسم 'رحلة في تاريخ الطعام الفلسطينيّ'، من الحضارة النطوفيّة (8300 – 11000 ق.م)، نسبة إلى وادي النطوف شمال غرب القدس، الذي اكتشفته الباحثة الإنكليزيّة دوروثي غارود عام 1929، وقد عثرت على آثار لهذه الحضارة في مغارة 'شقبا' في وادي النطوف، وهي تعدّ أولى خطوات الإنسان على طريق بناء أوّل مجتمعات زراعيّة في التاريخ.

المصوّر أسامة السلوادي

انطلقت الحضارة النطوفيّة من منطقة القدس، وتوسّعت إلى منطقة الأغوار، ووصلت سواحل المتوسّط وبلاد الشام كافّة، ومناطق أخرى، وقد اخترتها بداية لاعتقادي أنّها شكّلت أسس عصر الاستقرار، وعصر الطعام المعدّ، والمخزّن، والمنظّم، خلافًا للمرحلة السابقة من حياة البشريّة التي كانت تعتمد على الصيد، والتقاط الثمر، والترحال الدائم. بدأ البشر تلك المرحلة بإقامة ما يُسمّى 'القرى الزراعيّة'، ومنها تطوّرت المجتمعات لتصبح حضارة، فالمجتمعات التي تنتج طعامها قادرة على صناعة حضارتها، وقصّة الطعام قصّة الحضارة الحقيقيّة.

بدأت البحث لإنجاز هذا المشروع منذ عدّة سنوات، والآن بلغت مرحلة التصوير، إذ أترجم المعلومات البحثيّة إلى صور بصريّة، سائرًا علـى خطى أجدادنا الأوائل في تحويل المنتجات الزراعيّة إلى طعام، باحثًا في الميثولوجيا، والطقوس، والأمثال، ورزنامة الفلّاح التي كوّنها بناءً على خبرات طويلة من التجريب في مختلف الفصول.

 ما أبرز خصائص مشروع التوثيق البصريّ للأكلات الفلسطينيّة؟ وكيف عملت على إنجازه؟

رحلة توثيق الطعام جزء من مشروعي الكبير لتوثيق وحفظ التراث الفلسطينيّ عن طريق الصور، وهي الجزء الخامس من المشروع بعد 'ملكات الحرير'، و'بوح الحجارة'، و'أرض الورد'، و'زينة الكنعانيّات'، لكنّها تعدّ نقلة نوعيّة في حياتي المهنيّة، إذ انتقلت من فكرة التوثيق بالتصوير فقط، إلى إرفاق بحث تاريخيّ بالعمل، اشتغلت عليه مطوّلًا، وذلك لإضفاء مزيد من المعلومات والمصداقيّة العلميّة على إلمنجز.

الشكشوكة: من أشهر الأطباق الشعبيّة في فلسطين

أمّا عن خصائص المشروع، فإنّ أهمّها تقسيم 'رحلة الطعام الكبيرة' إلى رحلات صغيرة خاصّة بأساسيّات الأطعمة والثمار التي تنتج في فلسطين، مثل القمح، والزيتون، والأعناب، والرمّان، والتين، ومنتجات الحبوب الأخرى، والخضروات، والفواكه، والعسل، والألبان. لو تناولنا رحلة حبّة القمح، مثلًا، فإنّنا سننطلق من موسم الحراثة وأدواتها، والبذار، مرورًا بتناول موسم الأمطار، والشهور، والأمثال التي تتحدّث عنها، والأساطير القديمة التي تتعلّق بالقمح، مثل قصّة 'تمّوز'، إله روح القمح عند الكنعانيّين، والطقوس الدينيّة والشعبيّة، والعادات المتوارثة، وطريقة الزراعة، والحصاد، وأهازيج الحصّادين، لنقف بعد ذلك على طرق الطحن، والعجن، والخبز، والأدوات المستخدمة في ذلك، بالإضافة إلى أهمّ الأكلات التي يدخل القمح في تكوينها، مثل الفريكة، والمفتول، والبرغل، والمسخّن، والبربارة، والسنونيّة، وقصّة كلّ واحدة منها، وأصلها التاريخيّ، وأنواع المعجّنات، مثل الملاتيت، والمسفن، والمشمل، والمحمّرة، والمناقيش، وأنواع الحلويّات المختلفة، مثل القطايف، والكنافة، والمطبّق.

وهكذا ستكون رحلات أخرى، كرحلة العنب الذي تشتهر به مدينة الخليل، والتي تُنتج أحد أجود أنواعه في العالم، إذ تدخل منتجات العنب في الكثير من الأكلات الخليليّة، لذلك فهو مركزيّ في ثقافتها الغذائيّة، ويشكّل المنتج الزراعيّ الأوّل في المحافظة كلّها.

يتميّز العنب الخليليّ بألوان، وأنواع، ومذاقات متنوّعة، مثل العنب الدبوقيّ، والشاميّ، والحلوانيّ، والجندليّ، والمراويّ، والشيوخيّ أو الدراويشيّ، والبيتونيّ، والحلبيّ، والموزيّ، والزينيّ، والمطرطش، وبزّ البقرة، والبنّاتيّ.

مزارع يسمّد حقل سبانخ في منطقة نابلس

ومن أهمّ المنتجات التي تُصنع من العنب: الدبس، والعنطبيخ (عنب طبيخ، ويسمّونه عنبيّة)، والخبيصة الخليليّة، وهي من عصير العنب الخليليّ الأبيض الصافي مع السميد والملبّن الخليليّ، والبوءسما التي تعدّ من خصوصيّات أهل الخليل في أيّام الثلوج، حيث يغمس الثلج بالدبس ليكون بمثابة المثلّجات، والزبيب، وهو العنب المجفّف، وعصير العنب الطازج، ومخلّل الحصرم.

وهكذا ستكون الرحلات مع كلّ ثمرة أساسيّة من ثمار فلسطين التي وُصفت بأرض الوفرة.

حدّثنا عن أبرز الأكلات الشعبيّة الفلسطينيّة التي يهدّدها الاندثار اليوم بسبب ما طرأ على مطبخنا من عصرنة؟

المطبخ الفلسطينيّ، في الحقيقة، يُحارب ويُسرق، ونحن بحاجة إلى صحوة كبيرة لإعادته إلى الخريطة العالميّة باسم فلسطين.

وقبل الإجابة عن سؤالك، لا بدّ من الإشارة إلى أن ثمّة أكلات كثيرة اختفت، أو على وشك الاختفاء، ولا سيّما الأكلات البسيطة، مثل كراديش الذرة البيضاء، والمحمّرة، وخبز الطابون الذي نتغنّى به دومًا، فهذا تحديدًا يكاد يكون انقرض، إذ ما بقي من الطوابين التقليديّة في فلسطين قليل جدًّا، وهي شبه معدومة في البيوت اليوم.

حفظ كرات اللبنة البلديّة بالزيت

 

ما دوافعك للعمل على هذا المشروع وغيره من مشاريع توثيقيّة، وما هي أهمّيّته في حركة الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ؟

دافع التوثيق الحفاظ على الهويّة والتراث الفلسطينيّين، والمطبخ جزء مهمّ منهما، ولو لم يكن كذلك، فما الذي يستدعي دولة نوويّة مثل إسرائيل للقتال باستماتة لتنسب الفلافل إلى نفسها؟ لا بل وتنظيم 'يوم عالميّ للفلافل' والكثير من النشاطات الدوليّة لإثبات هذا النسب؟

المطبخ جزء أصيل من هويّة وتراث أيّ شعب، وعلينا أن نقاتل من أجل الحفاظ على تراثنا وهويّتنا في ظلّ الواقع الاحتلاليّ الذي نعيش.

منذ كتابي التوثيقيّ الأوّل الخاصّ بتوثيق الأزياء الفلسطينيّة، 'ملكات الحرير'، والذي لاقى نجاحًا باهرًا وترحابًا على الصعيد المحلّيّ، والعربيّ، والعالميّ، وأسهم في تغيير الكثير من المفاهيم لدى الجيل الجديد من الشابّات حول الثوب الفلسطينيّ، وفتح آفاق جديدة لإحياء الزيّ الفلسطينيّ، ولو كان محدثًا ومستوحى من الأثواب الأصليّة.

البربارة: نسبة للقدّيسة بربارة

قبل 'ملكات الحرير' كان الاهتمام المجتمعيّ بهذا المجال أقلّ، وقد ساهم تسليط الإعلام الضوء على المشروع في تعميم الفكرة، وهذا النجاح دفعني للبحث في أبواب أخرى من أبواب التراث والاهتمام بها، مثل مشروع توثيق التراث المعماريّ، والذي صدر في كتاب 'بوح الحجارة'، ومشروع توثيق الزهور البرّيّة، والذي صدر في كتاب 'أرض الورد'، ومشروع توثيق الحليّ والمجوهرات، والذي صدر في كتاب 'زينة الكنعانيّات'.

هذا النجاح وسّع مخيّلتي ودفعني إلى الغوص أكثر في توثيق التراث بصريًّا، فكانت فكرة مشروع 'رحلة في تاريخ الطعام الفلسطينيّ' نقلة مهنيّة جديدة، آمل أن تسهم في خلق وعي بأهمّيّة الزراعة، والطعام، والمطبخ الفلسطينيّ، وترسيخ الهويّة الفلسطينيّة وارتباطها بالأرض، ونشر قصّة الحضارة الفلسطينيّة وجذورها العميقة، وارتباط الناس بالمكان.

هل من جهات دعم رسميّة أو خاصّة لمشروعك هذا، أو ما سبقه من مشاريع توثيقك البصريّ، مثل الأزياء الشعبيّة والحليّ، والعمارة، والأزهار البرّيّة الفلسطينيّة، والتي صدرت جميعها في كتب؟

 لا يوجد في الحقيقة دعم رسميّ أو اهتمام حقيقيّ بما أعمل، ولا أعتقد أن ثمّة إدراك جدّيّ للحفاظ على الهويّة بعامّة، سواء من المؤسّسات الثقافيّة الرسميّة أو الخاصّة.

من مشاريع أسامة السلوادي

موضوع الطبخ مهمّ جدًّا لنشر ثقافة أيّ شعب، انظر إلى الدول الأوروبيّة، ولا سيّما فرنسا التي تصارع للحفاظ على بقاء مطبخها في صدارة مطابخ العالم، فترسل طبّاخين لدول العالم ليعلّموا أصول المطبخ الفرنسيّ، وهذه ثقافة وصناعة تدرّ الأرباح أيضًا، لذلك اهتمّت مجلّة 'ناشيونال جيوغرافيك' العالميّة، والتي تعدّ مرجعًا لتوثيق حضارة الشعوب، بنشر أجزاء من مشاريعي، مثل 'ملكات الحرير' و'أرض الورد'.

***

بطاقة تعريف: أسامة السلوادي

مصوّر صحافيّ فلسطينيّ، من مواليد رام الله عام 1973. عمل مع العديد من وسائل الإعلام المحلّيّة والعالميّة، مثل وكالة الصحافة الفرنسيّة، ورويترز، وجريدة الأيّام. صدر له عشرة كتب، منها أربعة من ضمن مشروعه لتوثيق التراث الفلسطينيّ.

تعرّض أسامة عام 2006 لإصابة خطيرة برصاصة طائشة خلال مسيرة وسط رام الله، أدّت لإصابته بشلل نصفيّ في الأطراف السفليّة.

نُشرت أعماله في العديد من الصحف والمجلّات العالميّة، مثل 'ناشيونال جيوغرافيك'، ومجلّة 'تايم'، وصحيفة 'هيرالد تريبيون' و'نيويورك تايمز'.

حصل على العديد من التكريمات والجوائز، منها الميداليّة الفلسطينيّة الذهبيّة للتميّز والإبداع، ولقب 'عين فلسطين' من الاتّحاد العامّ للكتّاب والأدباء الفلسطينيّين.

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو). عضو الاتّحاد العامّ للكتّاب والصحافيّين الفلسطينيّين.

تعليقات Facebook