"بتسيلم"... شهادة دامغة عن الأبرتهايد الإسرائيلي

"بتسيلم"... شهادة دامغة عن الأبرتهايد الإسرائيلي

قدمت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية في تقريرها الأخير شهادة موثقة مشفوعة بالحقائق والقرائن التي تدحض النظرة السائدة، التي تقول إن إسرائيل دولة ديمقراطية تدير بموازاة ذلك أيضًا نظام احتلال مؤقت، وتُقرر أن جميع المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل، في حدود الخط الأخضر والضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة، تقع تحت نظام واحد يحكمه مبدأ ناظم واحد يعتمد تطوير وتأبيد تفوق مجموعة إنسانية واحدة، هي اليهود، على مجموعة إنسانية أخرى، هم الفلسطينيون، وأن نظامًا من هذا النوع هو نظام أبرتهايد.

المنظمة الناشطة منذ عشرات السنوات في مجال حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ليست الأولى ولا الوحيدة التي تصف النظام الذي تقيمه إسرائيل بين البحر والنهر بنظام أبرتهايد، بل هي تنضم إلى عشرات المنظمات والشخصيات السياسية والأكاديمية والحقوقية الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والدولية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى كتاب المؤرخ الإسرائيلي التقدمي، إيلان بابيه، "أوجه الشبه بين جنوب أفريقيا وإسرائيل"، الذي يكشف فيه عن حالة أبرتهايد فريدة من نوعها في إسرائيل وفي المناطق المحتلة عام 1967، بات يستحيل معها الفصل بين المجموعتين السكانيتين على أرض فلسطين الكاملة، وبات من الصعب معها وصف مشروع الاستيطان الصهيوني بالاحتلال العادي، بل هو احتلال اقتلاعي - استيطاني، خلق حالة التشابك تلك التي بات الحل الممكن معها هو حل الدولة الواحدة فقط.

ولكن ما يميز شهادة "بتسيلم" في هذا الخصوص، بأنها تعتمد على وقائع وحقائق هي نتاج تجربة ميدانية مباشرة مع الواقع المعاش على الأرض؛ وإذا كان هذا النظام لم يولد في يوم واحد بل توضح وتأسس عبر السنين، فإن "بتسيلم" بصفتها منظمة حقوقية إسرائيلية، هي خير متابع وشاهد على هذه الصيرورة التي تراكمت خطواتها مع السنين، واتخذت تعبيرًا واضحًا في التشريع والإجراءات الميدانية والدعم القضائي والجماهيري، كما يُفصح تقريرها، قبل أن يقرر بأن الدعم القضائي والجماهيري التي حظيت به هذه الصيرورة، يؤكدان الحقيقة المؤلمة بأن إسرائيل تجاوزت الحد المطلوب لتعريفها كنظام ابرتهايد.

وفيما يدعو بابيه الفلسطينيين إلى التخلص من قاموسهم السياسي القديم وقراءة جوهر الصراع، باعتباره كان وما زال يدور بين حركة استيطانية - استعمارية وحركة تحرر قومي، وليس بين حركتي تحرر قومي. وأن احتلال العام 1967 هو جزء من مشروع استيطاني اقتلاعي يشمل كل فلسطين التاريخية، بزعم أن فلسطين هي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

تؤكد شهادة "بتسيلم" بأن إسرائيل تسعى لتجسيد مبدأ الفوقية اليهودية من خلال هندسة المحيط جغرافيًا وديمغرافيًا وسياسيًا، بحيث يدير اليهود حياتهم في مساحة ذات تتابع جغرافي يتمتعون فيها بحقوق كاملة وتقرير مصير، في حين يعيش الفلسطينيون في وحدات متفرقة، تقرر إسرائيل في كل منها أي حقوق تمنحها وأي تسحبها، ويتمتع الفلسطينيون فيها بحقوق أقل من اليهود.

ويتعزز هذا المبدأ الناظم إسرائيليًا، وفق "بتسيلم"، بأربعة مجالات مركزية هي الأرض، والمواطنة، وحرية الحركة والمشاركة السياسية، فهي تتبع سياسة تهويد الأرض التي تسيطر على 90% منها وتوظفها كمورد في خدمة الجمهور اليهودي بالكامل تقريبًا، والمواطنة التي تمنحها لكل اليهود وذريتهم في العالم، الذين توفر لهم حق الهجرة والإقامة بالمساحة التي تسيطر عليها إسرائيل من البحر إلى النهر والتمتع بمواطنتها، فيما تمنع من الفلسطينيين حتى الانتقال من وحدة الى أخرى ضمن التقسيمات الجغرافية التي تنطبق عليهم فقط.

وفي مجال التنقل، يتمتع المواطنون الإسرائيليون بحرية الحركة داخل وخارج المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل (باستثناء قطاع غزة)، فيما يحتاج الفلسطينيون إلى تصريح للانتقال من وحدة إلى أخرى بين التقسيمات الجغرافية التي يعيش فيها الفلسطينيون.

أما في مجال المشاركة السياسية، فتجري عمليات نزع شرعية عن منتخبي الجمهور الفلسطيني، ولا يستطيع خمسة ملايين فلسطيني، بضمنهم سكان القدس، من المشاركة في الجهاز السياسي الذي يتحكم في حياتهم.

وترى "بتسيلم" أن السنوات الأخيرة شهدت تغييرًا في استعداد إسرائيل لتبني نظام التفوق اليهودي بشكل علني، تمثل أولا بسن "قانون القومية" الذي يؤكد صراحة بأن التفرقة بين اليهود وغير اليهود هي تفرقة أساسية وشرعية في الدولة، وتسبب تمييزًا مُمأسسًا بينهم في الاستيطان والسكن والأراضي والمواطنة واللغة والثقافة؛ وثانيًا، بالإعلان عن اعتزام ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها، والتي يتكشف عن نوايا بعيدة المدى وتقوض الادعاء بأن الاحتلال حالة مؤقتة؛ وهو ما يتقاطع مع دعوة بابيه إلى تغيير توجهات ومصطلحات القاموس السياسي لفهم الصراع في البلاد، والإيذان بانتهاء صلاحية حل الدولتين والعمل على صياغة البديل المتمثل بالدمج بين الدولة ثنائية القومية والدولة الديمقراطية.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص