بين الاندماج والاستقلال: الاقتصاد العربي المرهون

بين الاندماج والاستقلال: الاقتصاد العربي المرهون
مركز تجاري افتتح حديثًا في باقة الغربية (عرب ٤٨)

تبدو تداعيات هبة القدس والأقصى أكثر ضبابية على الاقتصاد في المجتمع العربي وما رافقه من مشاهد وتحوّلات، في ظلّ الخطط الاقتصادية التي أقرتها الحكومات الإسرائيلية في محاولة منها للتغطية على سياسات الإقصاء والتهميش التي اعتمدتها لعقود تجاه مواطنيها العرب.

ووسط حالة الغموض والمستقبل الاقتصادي المبهم، دأب العرب على التكيّف مع الأوضاع من خلال مبادرات ذاتية شكلت رافعة للنمو الاقتصادي، لكن دون أن ترتقي إلى مستوى الاستقلال الاقتصاد الذاتي، بسبب إمعان المؤسسة الإسرائيلية في إبقاء الاقتصاد العربي على هامش الاقتصاد الإسرائيلي ورهنَ مخطّطات الإدماج.

منظر عام لمدينة باقة الغربية: شح باحتياط الأراضي وعدم توسيع مسطح البناء
منظر عام لمدينة باقة الغربية: شح باحتياط الأراضي وعدم توسيع مسطح البناء

وبعدما كان عدد المواطنين العرب أثناء هبة القدس والأقصى قرابة مليون و300 ألف نسمة، يقترب تعدادهم السكاني اليوم من المليونين، بينما يبدو الواقع الاقتصادي الاجتماعي شبيها بمرور عقدين، إذ تعيش 50%؜ من العائلات العربية البالغ تعدادها 450 ألفا تحت خط الفقر، بينما معدلات البطالة التي تراوحت بين 8% إلى 13% قفزت، في ظلّ أزمة كورونا إلى 25%؜، وفقا لبيانات مؤسسة التأمين الوطني.

إقصاء وتهميش

وقال المستشار الاقتصادي، هاني نجم، إن التحوّل الأبرز للاقتصاد العربي عقب هبة القدس والأقصى هو زيادة التعداد السكاني وما رافقه من زيادة وارتفاع في الاستهلاك، دون أن يؤسّس اقتصاد متين يدفع نحو الاستقلال الذاتي مستقبلا. ويأتي ذلك، على الرغم من النجاحات التي تم حُقّقت مستوى الأفراد، سواء في التعليم أو في الاقتصاد أو التجارة والمبادرات الاقتصادية، التي لم تتحول إلى رافعة جماعية.

وتطرق نجم في حديثه لـ"عرب ٤٨" إلى المسببات الداخلية بالمجتمع العربي التي كانت وراء التحولات، إضافة إلى سياسات الإقصاء والتهميش الإسرائيلية والتي حالت دون مأسسة المرحلة للتوجه نحو الاستقلال الاقتصادي، قائلا "كمجتمع عربي أهملنا النقابات والجمعيات والمؤسسات، ولم نأخذ على محمل الجد مشروع المجتمع العصامي الذي بادرت إليه الحركة الإسلامية، وكذلك مشروع جمعيات المجتمع المدني الذي أطلقه التجمع الوطني الديمقراطي، وهي مشاريع حاربتها إسرائيل".

تصوّر وتفكّك

لم يتوقف الإخفاق عند هذا الحد، وفي ظل حالة الخوف التي عاشتها الجماهير العربية عقب هبة القدس والأقصى، يقول نجم "لم يكتمل التصور السياسي المستقبلي الذي دفعت إليه الحركة الإسلامية والتجمع الوطني الديمقراطي، بسبب التحفّظات التي أبداها الحزب الشيوعي والجبهة وبعض الشخصيات. وبالتوازي مع ذلك، شهدنا استمرار تفكك المجتمع كقوة اقتصادية، في ظلّ اعتماد إسرائيل على العمالة الأجنبية بديلا عن الأيدي العاملة العربية خاصة بفرع البناء، وهذا ما ساهم بإضعاف الاقتصاد العربي بعد أن فقدنا العمالة بفرع البناء".

ولفت إلى أن النمو الذي شهده بعض المرافق والقطاعات العربية كان لمبادرات ذاتية وجهود فردية دون أي دعم رسمي من مؤسسات الدولة، فيما غابت عن المجتمع العربي منظومة مجتمعية متماسكة من شأنها احتضان القدرات والموارد البشرية والنجاحات الفردية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى مثل هذه المنظومة لتأطير القدرات العربية التي لديها القدرة والإمكانية على اختراق الاقتصاد الإسرائيلي والعالمي أيضا.

وفي ظل هذا الواقع والمتغيرات، يقول نجم إن "الأخطر هو غياب أي خطة مستقبلية وانعدام البوصلة التي من شأنها أن توجه المجتمع العربي خلال العقد المقبل، خصوصا أنّ المجتمع العربي في غالبيته تحول إلى طبقة تعيش تحت خط الفقر تعتمد على الاستهلاك، علما أن الشاب العربي يجد صعوبة اليوم بجيل 35 عاما من بناء منزل والزواج وإقامة أسرة، بينما قبل عام 2000 كان يتزوج بجيل 25 عاما بعد أن ينهي تعليمه الجامعي أو حتى بجيل 21 عاما في حال اختار التوجه لسوق العمل".

استهلاك وإنتاج

هاني نجم
هاني نجم

وأوضح نجم أن هناك 450 ألف عائلة عربية، منها 200 ألف عائلة تعيش تحت خط الفقر، إذ يبلغ معدل العائلة 4 أنفار، ما يعني أن يعيش ويترعرع الأطفال في ظل الفقر والحرمان من جودة الحياة، ولاحقا لربما الحق بالتعليم الأكاديمي وفرصة العمل والمسكن، علما أن 60% من المجتمع العربي فتي حتى جيل 25 عاما، إذ أن انعدام مقومات الحياة الأساسية للجيل الشاب بمثابة مؤشر خطير لمستقبل الجماهير العربية، التي تواجه حالة من التفريغ الاقتصادي التي تدفع نحو ظاهرة التهجير الخفي.

وحذّر نجم من مواصلة الارتهان للخطط الإسرائيلية وعدم المبادرة لمشاريع عربية ذاتية تسهم بخلق حالة انتاجية وعدم الاكتفاء بالاستهلاك، لافتا إلى أن اهتمامات النشء في هذه المرحلة تغيّرت، وتصب نحو الهواجس من العنف والجريمة، والقلق لتوفير فرص العمل، والضبابية بشأن الأرض والمسكن لبناء المنازل. وعليه، نلمس ظاهرة العزوف عن الزواج وإقامة أسر بمراحل عمرية شابة، علما أن اهتمامات الشباب قبل عقد من الزمن تمحورت حول القضايا السياسية والوطنية.

منظر عام لمدينة أم الفحم: اكتظاظ وضائقة سكنية
منظر عام لمدينة أم الفحم: اكتظاظ وضائقة سكنية

ولتفادي ذلك، يؤكد نجم أن القيادات والأحزاب العربية مطالبة بمعزل عن الوجود بالكنيست بإقامة صندوق قومي، وانتخاب لجنة المتابعة ومختلف المؤسسات ووضع تصور وإستراتيجية واضحة لإنقاذ الجماهير العربية المطالبة بوحدة الصف وبناء المؤسسات والمشاريع والنقابات لتحصين المجتمع وتعزيز القدرات الانتاجية، وتوفير الأطر المناسبة للجيل الشاب بمختلف مناحي الحياة، والاقتصادية على وجه الخصوص التي تعتبر ركيزة مهمة بتنظيم وبناء المجتمعات، وذلك بمعزل عما تقترحه الحكومات الإسرائيلية من خطط اقتصادية تبقى مجرد خبر على ورق، وتسهم بإضعاف المواطن العربي بحال واصل الارتهان إليها وتعليق آماله عليها.

فوارق وفجوات

عميد صعابنة
د. عميد صعابنة

ولفهم التحولات والتحديات التي واجهت الاقتصاد في المجتمع العربي خلال العقدين الأخيرين، يواصل الباحث في جامعة حيفا الدكتور عميد صعابنة، البحث في التغيير بالمبنى الطبقي بالمجتمع العربي جرّاء تغيير السياسات الإسرائيلية، لافتا إلى أن التحولات الاقتصادية يمكن ربطها بهبة القدس والأقصى، لكنه يؤكد بأنه لا يمكن فصل ذلك عن التحول العام بالاقتصاد الاقتصادي الإسرائيلي.

ويستعرض د. صعابنة من خلال البحث التحولات في الاقتصاد العربي التأثيرَ الأكبرَ للاقتصاد الإسرائيلي والتغيير بسوق العمل والقوى العاملة وسياسة الاقتصاد الليبرالي الحر التي اعتمدها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وهي السياسة التي ولدت فوارق طبقية داخلية وفوارق طبقية أيضا مع اليهود، بحيث أن هناك شرائح رابحة وأخرى خاسرة جراء مبنى سوق العمل الجديد والاقتصاد الحر.

والأبرز في التحولات والاقتصاد الحر، يقول صعابنة "هو التقليص الذي حصل في مساهمة الدولة بكل ما يتعلق بمختلف المخصصات التي يدفعها التأمين الوطني، ناهيك عن التقليص في صرف الميزانيات للتربية والتعليم والجهاز الصحي".

وأوضح د. صعابنة لـ"عرب 48" أن الحكومة التي تنبهت لتعميق الفوارق بالمجتمع العربي أقرت بالعام 2015 خطة اقتصادية رقم 922 هدفت لدمج العرب بالاقتصاد الإسرائيلي، بيد أن الخطة التي خصص لها ميزانية بقيمة 15 مليار شيكل لم تنفذ بالكامل، حيث لم تحول الميزانيات بكاملها إلى الأهداف المعلنة خاصة لحل ضائقة السكن وأزمة الصناعة والتجارة.

دمج وتضييق

واستعرض الباحث في جامعة حيفا دوافع توجه الحكومة الإسرائيلية لدمج العرب في سوق العمل التي قال إنها تأتي لأسباب اقتصادية عامة ولتطويع سياسة الاقتصاد الليبرالي الحر الذي يعتمد على تعزيز ثقافة العمل، واعتماد الفرد على الدخل الذاتي والتقليل من سياسة المخصصات ودولة الرفاه.

وأوضح د. صعابنة أن الخطة الاقتصادية 922 رأت في السلطات المحلية العربية قناةً تحوّل عبرها الميزانيات وتنفذ المخططات والمشاريع، لكن دون أن تهتم الحكومة بتأهيل طواقم مهنية بالسلطات المحلية تكون لديها قدرات ودراية بتحصيل الميزانيات الحكومية خاصة لمشاريع السكن والاقتصاد والبنى التحتية والتجارة.

التضييق على البلدات العربية ومنع توسيعها، جسر الزرقاء تحرم من توسيع نفوذها للبناء
التضييق على البلدات العربية ومنع توسيعها، جسر الزرقاء تحرم من توسيع نفوذها للبناء

ويقارن البحث الباحث المعطيات والواقع الاقتصادي منذ عام 2000 إلى يومنا هذا، عبر المقارنة بالوظائف وتقليص الفوارق، وهي المحاور التي ما يزال يتم دراستها وبحثها بالأساس من خلال السياق الاقتصادي العام، وليس بالسياق السياسي وهبة القدس والأقصى.

وبيّن أن الحكومة الإسرائيلية التي حاولت الترويج وكأنها تريد فتح صفحة جديدة مع المواطنين العربي بالمفهوم الاقتصادي تمادت في ذات الوقت بممارسة التضييق على العمل السياسي للعرب، إذ روّجت لشعار دمج العرب بالاقتصاد من خلال الخطة922، التي لم تؤتِ أُكُلها بسبب تباين المواقف والتوجهات والأذرع الحكومية المختلفة، التي سعت للتنفيذ من خلال التوجه العام أنه يجب على المواطنين العرب أن يعملوا أكثر.

ربح وخسارة

وحول تداعيات هبة القدس والأقصى على الاقتصاد العربي، يرى د. صعابنة أنه حتى الآن لا يوجد تصور واضح بشأن ذلك، لافتا إلى أنه لربما شرائح كانت خاسرة وتضررت ولربما بعض القطاعات استفاد من التحولات، ولوحظ نمو وتطور لمصالح تجارية وكأنّ نهضة حصلت في سوق العمل العربي، علما أن 50% من العائلات العربية ما زالت تعيش تحت خط الفقر. وعليه، القضية مركبة ولا يمكن حصرها في معادلة الربح والخسارة.

وعن التغيير في المبنى الطبقي خلال العقدين الأخيرين، يقول د. صعابنة "التحوّل في السياسات الاقتصادية الإسرائيلية يرتكز بالأساس إلى الخطط الاقتصادية الخاصة بالمجتمع العربي، ويبقى السؤال المفتوح إذا ما كان الحراك الاجتماعي بالمفهوم الفردي أو الجماعي، ولربما سنكون قبالة سيرورة لتشكيل حراك اجتماعي جماعي".

وبين الاندماج والاستقلال والتحولات الاقتصادية، يشير د. صعابنة إلى أنه من المهم الانتباه إلى الارتفاع في مستوى الاستهلاك بالمجتمع العربي، مع الأخذ بعين الاعتبار سياسة الإقراض التي اعتمدتها لسنوات طويلة البنوك التجارية، لكنه لا يعزو الارتفاع بالاستهلاك بالمجتمع العربي إلى سياسة القروض التي ينظر إليها بتحفظ، ويؤكد أن القروض مهما كان حجمها فلا بد من جدولتها وتسديدها.



لماذا خيّب الجيل الجديد الآمال؟

لماذا خيّب الجيل الجديد الآمال؟

الاقتصاد العربي.. تحديات وتحولات ما بعد هبة القدس والأقصى

الاقتصاد العربي.. تحديات وتحولات ما بعد هبة القدس والأقصى

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

لجنة أور و

لجنة أور و"وهم التوجّه للعدالة"

في ظلال الانتفاضة... التعليم العالي لا يحل أزمة مجتمع

في ظلال الانتفاضة... التعليم العالي لا يحل أزمة مجتمع

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

"الدم واحد والوطن واحد"... مصلح أبو جراد وُلد في غزّة واستُشهد في أم الفحم

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

"أجيال ورا أجيال هتعيش على حلمنا"...

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

عقدان على

عقدان على "هبّة أكتوبر"