حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا
القائمة المشتركة (أ ف ب)

حنين زعبي:

  • إسرائيل تفاجأت بأن مخططات 50 سنة لم تحولنا إلى "عرب إسرائيل"
  • النفي القسري لعزمي بشارة كان أولى الضربات وأشدّها إيلاما ولم يكن آخرها
  • إخراج الإسلامية عن القانون بمثابة "انقلاب سياسي" وعودة إلى سياسات الحكم العسكري
  • حصار التجمع لم يتوقّف، وخفوت التحريض يعني نجاح الحصار وليس نجاح التجمع

عدّت إسرائيل الانتفاضة الثانية محاولةً للتمرد على اتفاقيّات أوسلو، وقمعتها بأقصى قوّة عسكرية تملكها، عبر إعادة احتلال المدن الفلسطينية واغتيال واعتقال قادتها السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم ياسر عرفات ومروان البرغوثي، وإعادة الفلسطينيين إلى سكة أوسلو العبثية والطويلة والمرهقة التي قادت إلى ما نحن فيه اليوم.

وعلى مستوى الداخل، تعاملت إسرائيل مع الاتجاهات السياسية التي أشارت إليها "لجنة أور" كعوامل مفجّرة للهبة، أي الحركة الإسلامية الشمالية والتجمع الوطني الديمقراطي، فأخرجت الأولى عن القانون واحتوت الثاني وفكّكت خطابه وحشرته عنوة تحت سقف إجماع خطاب "السلام والمساواة" المتذيّل لنهج أوسلو.

حنين زعبي
حنين زعبي

النائبة السابقة حنين زعبي، تتحدّث في هذا الحوار عن ظروف الانكسار والتراجع الفلسطيني وأسباب "انهيار" جبهة الداخل التي ظلت متماسكة بعد أوسلو.

عرب 48: إلى أي مدى نجحت إسرائيل في قمع تمرد الانتفاضة الثانية وإعادة الفلسطينيين إلى "تلم أوسلو"؟

زعبي: إسرائيل أرادت مراجعة فشل أوسلو كمشروع استسلام، لكن ليس لكي تعيدهم إليه، بل لكي لا تعيدهم لشيء، لكي تفرض عليهم مسار شلل سياسي، لا هو يناقش أوسلو ولا هو يطور مسارات بديلة. لم تعد أوسلو لوحدها مسارا ناجحا للتصفية، لكنها أساس ناجح للبناء عليه، لاستغلاله كإطار للمطالبات المستمرة وللسيطرة على أجهزة الأمن تحديدًا، وإعادة بنائها باستغلال المفاهيم الأمنية لأوسلو، التي تعاملت مع المقاومة كعنف.

لقد استغنت إسرائيل مؤقتًا، بعد الانتفاضة الثانية، عن طموحها في توقيع الفلسطيني، وعرفت أنّ استسلام الفلسطيني يحتاج لمخطط تحضيري أكبر من القمع والحرب والاغتيالات وفرض وقائع على الأرض تعتمد على سرقة أرض أكثر وهدم أكثر للبنية التحتية الفلسطينية، هدم كل ما يمكنه أن يغذّي مقاومة الفلسطينيين على الأرض، وتجفيف موارد المقاومة البشرية والمادية والمعنوية، تحضيرا للمحاولة القادمة للحصول على توقيع الاستسلام. طوّرت إسرائيل مفهوم الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كي تسهّل اعتباره كيانا عدوانيا "يسمح" لها بشن حروب ضده، واعتمدت وطورت مفاهيم كاملة في القانون الدولي تبرر اعتبار غزة كلها كيانا عدوانيا خاليا من المدنيين! لا أذكر تفاصيل أكثر، لكن كتاب نورا عريقات "العدالة للبعض" ومقال بشير أبو منّة الأخير يوضحان الجهود الحربية والسياسية والقانونية والإعلامية التي بذلتها إسرائيل.

لم تستفد إسرائيل من أوسلو لاستدراج توقيع السلطة على ما تريد، لكنها استفادت من تحييدها، فاستفردت بغزة وبنا في الداخل، واضعةً جهدها في تدمير غزة وفي تعميق صهيونية الدولة ضمن الحيز المادي والسياسي والمعنوي ممثلا بقوانين الولاء، ثم طبقت سياسة الانفصال عن السكان وتقليل تكلفة الاحتلال. الجدار العنصري والخدمة الأمنية التي تقدمها السلطة وما تزال أثبتا نجاحًا باهرًا في السيطرة على الضفة أيضا.

عرب 48: هبّة الداخل الفلسطيني والتحامه مع الانتفاضة في أيامها الأولى فاجآ إسرائيل وفاجآنا نحن أيضا كنخب وكمراقبين، فيما شكّل تعاطي إسرائيل مع هذه الهبة ومسبباتها نقطة تحول أو عودة إلى الوراء في تعاملها مع جماهير الداخل؟

زعبي: الانتفاضة الثانية هي نقطة تحول لإسرائيل في تعاملها مع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، هي أولا "اكتشفتهم"، كما هم "اكتشفوا" أنفسهم. اكتشفت فجأة أن مخططات 50 سنة لم تحولهم لـ"عرب إسرائيل"، هذا الاكتشاف دفعها للانشغال بنا مرة أخرى ووضعنا في صلب مخطّطاتها.

من تظاهرة "قانون القومية" في تل أبيب (أ ب)
من مظاهرة "قانون القومية" في تل أبيب (أ ب)

وتشبه الفترة الممتدة على عقد أو عقد ونصف التي تلت الانتفاضة الثانية فترة الحكم العسكري في تحويل سؤال "كيف نتعامل مع العرب" إلى سؤال مركزي في الأجندة الإسرائيلية، وتشبه الحكم العسكري في سؤال التعامل معنا كخطر داخلي، وتشبه الحكم العسكري في إستراتيجية تصفية العمل الوطني المنظم، عندما منعت السلطات كل الأحزاب، عدا الحزب الشيوعي، الذي شرعن قيام الدولة بل تحمس لانضمامه لها، في لحظة خنوع وإذلال تاريخية، كما يقول حسن جبارين في مقاله "اللحظة الهوبسيانية". بعد الانتفاضة الثانية توصّلت المؤسسة الإسرائيليّة إلى نفس النتيجة وأرادت نسخها: تجريم العمل السياسي.

عرب 48: بنظرة إلى الوراء، نرى أنّ "لجنة أور"، التي جاءت لأول وهلة استجابة لمطالباتنا، خدمت المؤسسة الإسرائيلية أكثر مما خدمتنا. فقد انحصرت وظيفتها في إعادة تقييم العلاقة بيننا وبين السلطة والتوصية بتجديد عوامل الضبط والسيطرة التي تآكلت، وهي إضافة إلى تبرئة ساحة المستوى السياسي الإسرائيلي، أدانت ثلاثة من قياداتنا هم الدكتور عزمي بشارة والشيخ رائد صلاح والنائب عبد المالك دهامشة، وأشارت إلى القوى المحرّكة وكأنّها توجه دعوة للسلطة للتعامل معها، وهذا ما حدث فعلا، مقابل إغلاق ملفات عناصر الشرطة الذين قتلوا الشهداء؟

استنتاجات "لجنة أور" تحمّل عزمي بشارة ورائد صلاح وعبد المالك دهامشة مسؤولية الانتفاضة! لم أفكر في الموضوع حينها، لكن "لجنة أور" أضرتنا سياسيا أكثر بكثير مما أفادتنا مدنيا. أحد استنتاجاتنا من "لجنة أور" أنّ الحسابات السياسة عليها دائما أن تسبق الحسابات المدنية، لن تنجح مدنيا أبدا طالما أنّك تفشل سياسيا. على هذا أن يكون الاستنتاج الأول بعد الانتفاضة.

وبالنسبة لإسرائيل، استنتجت أنّ القاعدة القانونية التي وضعت لتجريم العمل السياسي لم تعد كافية، فبدأ العمل على رزمة من قوانين تجريم العمل السياسي كان آخرها إجازة طرد أعضاء كنيست، أي التحكم بالتمثيل السياسي خارج العملية الانتخابية وخارج حتى العملية القانونية، وبلغت سياسات سحب الشرعية ذروتها بإخراج الحركة الإسلامية عن القانون، وذلك كان بمثابة انقلاب في المشهد السياسي الفلسطيني في الداخل، دون أن يقابله أي تحوّل في السلوك السياسي من جهتنا، هذا إلى جانب التحريض المتواصل ضد التجمع الوطني الديمقراطي، والنفي القسري لعزمي بشارة كان أول الضربات وأكثرها إيلاما، لكن ليس آخرها.

عرب 48: في مرحلة معيّنة ورغم الضربات التي تلقتها القوى السياسية الوطنية والإسلامية من المؤسسة، كنا نشعر أنّ هناك نوعًا من الصراع والمواجهة اليومية على الأرض، بمعنى أنّ هذه القوى لا تكتفي بتلقي الضربات، بل هي ترد بما امتلكت من قوة وتفرض حقائق على الأرض؟

زعبي: بموازاة إستراتيجيّة الملاحقات السياسية والأمنية التي وضعتها إسرائيل، سارت القوى السياسية، وعلى رأسها التجمع، في مسار معاكس تماما، بقرار تحدي المسار القمعي وعدم الرجوع للمسار الاحتوائي، بل واعتبار الأخير أشد خطورة من الأول، ولم يتراجع التجمع يوما وهو في عزّ الضربات عن قناعته بخطورة المسار الاحتوائي.

ولذلك تم العمل حينها على تثبيت الأطر الفلسطينية: تثبيت الهوية الجامعة، وتطوير مؤسسات ومراكز بحث ومراكز ثقافية فلسطينية، وتكثيف العمل الطلابي والعمل مع الشباب وتنظيمهم، وفضح وحصار خطاب التعايش الواهي والمنقطع عن واقع الصراع، ومحاولة توحيد الأحزاب العربية إلى قوة سياسية إستراتيجية. توحّدت الأحزاب العربية بعد أكثر من 10 سنوات من تصور التجمع للفكرة، لكن خارج قوتهم السياسية الإستراتيجية.

عرب 48: القائمة المشتركة التي يشكّل التجمّع أحد مركباتها وقعت، على ما يبدو، في شرك الخطاب المدني المهيمن الذي يتعامل مع القضايا اليومية والمطلبية من جهة ومع القضايا الديمقراطية الإسرائيلية من جهة أخرى، وهو خطاب يغيب البعد الوطني بالكامل، ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن نرى محاولات نزع البعد الوطني حتى عن الأحداث المفصلية مثل هبة الأقصى وحشرها في الخانة المدنية؟

زعبي: التصرف كجزء شرعي وطبيعي من المشهد الإسرائيلي والتأثير من خلال القبول والشرعية الإسرائيلية وديناميكيات الديمقراطية هي معادلة صحيحة، إذا كنت جزءًا من تعريف مجال الديمقراطية. أنت في دولة حيّزها الديمقراطي لا ينطبق عليك، وقوانين لعبتها الديمقراطية لا تنطبق عليك.

من هنا فإنّ معارضتك في تل أبيب ضد "قانون القوميّة" دون رفع علم، ودون طرح مشروع وطني بديل تحارب به جوهر الدولة وطابعها التطهيري، يرسل رسالة شرعنة للقانون أكثر بكثير مما يرسل رسالة اعتراض عليه. الاعتراض المدني على "قانون القومية" يصوّر "قانون القومية" نفسه وكأنه "قانون مدني"، بينما هو قانون تطهير سياسي. من يربح من إعفاء إسرائيل من بعدها الاستعماري غير إسرائيل نفسها؟ لا إعفاء إسرائيل من بعدها الاستعماري ولا التجاوب مع بعدها الاحتوائي يجعل من أحد قائدا، حتى لو كان حلم القيادة هو الذي يحركه. بالعكس، وبالمعنى المهين للعكس.

والسنوات الأربع السابقة حافلة بهذا العكس. من صوّت لغانتس فعل ذلك، ليس لأنه يرى فيه من سيسقط "صفقة القرن" (هو يعمل الآن على غسل منجزات الصفقة أوروبيًا، كما يفعل اللايمين دائما، وسيعمل فلسطينيا على إعادة السلطة الفلسطينية للتلم)، بل لأنه، أوّلًا، تصرّف مع ذاته كإسرائيلي يتضامن مع الفلسطينيين.

عرب 48: ولكن التوصية التي انضم إليها التجمع مكرهًا في النهاية، كانت بدفع من السلطة الفلسطينية التي راهنت على غانتس في إعادة مسار المفاوضات إلى نصاب أوسلو؟

زعبي: بُرّرت التوصية على غانتس بمعارضته لـ"صفقة القرن"، وهو منطق تبريري بينما المنطق الفلسطيني لا يفكر في أنّ النجاة من "صفقة القرن" ستأتي عن طريق غانتس (الذي سيكمل المفاوضات مع الفلسطينيين من نقطة "صفقة القرن")، الفلسطيني يفكر أن محاربة "صفقة القرن" ستأتي عن طريق نضال فلسطيني شامل، وعن طريق طرح مشروع فلسطيني تحرّري، وهو ما تعكسه حراكات الأشهر الأخيرة، الآن، ثم يفكّر الفلسطيني من داخل المواطنة ما هي أدواته ومساهمته في ذلك. من يفكّر ضمن حيّز فلسطيني واسع، يحارب "صفقة القرن" كمشروع تصفية عبر طرح مشروع سياسي بديل تحمله المشتركة كالمقابل الديمقراطي الإنساني التاريخي العادل لـ"صفقة القرن". وترى في ذلك استثمارًا لتحويل المشتركة للاعب أساسي يطرح بديلا لنتانياهو وغانتس معا. بديل صاحب الوطن.

الربط بين محاربة "صفقة القرن" وبين التصويت لغانتس هو الوجه الآخر، التحضيري لربط السلطة بين محاربة "صفقة القرن" وبين استئناف المفاوضات مع غانتس.

قيادات المشتركة بعد التوصية بغانتس (أ ب)
قيادات المشتركة بعد التوصية بغانتس (أ ب)

هل طلب منا أي فلسطيني يعاني أكثر منا من الضم والاحتلال أن نصوت لغانتس؟ هل يحمل لنا شعبنا تقديرا لذلك؟ ليس الجواب هو المهم، بل حقيقة عدم طرح هذا السؤال أصلا هي المهمّ. حقيقة أن سؤال "كيف سيفكر اليسار الإسرائيلي الذي سنصنع معه معسكرًا" هو الذي يوجه عملنا السياسي، هو المهم.

ثم حتى ممارسة المواطنة هل تتحمّل انعدام وجدانيات سياسية ترى في غانتس قاصف غزة وجنرال الجيش؟ وجدانيات الضحية لا تنفصم عن الممارسة السياسية.

إن الإصرار على "التعامل" المدني مع أمور تمثّل بالنسبة لنا تطهيرا سياسيا، والإصرار على قضايا مدنية صغيرة تصلح للبلديات وللمجالس المحلية، الآن، في هذه المرحلة التي ينشغل بها الفلسطينيون في كل مكان بنقاش ما العمل مقابل الانهيار الفلسطيني الحاصل، هو وصفة انتحار سياسي، واستهتار بالدور المنوط بنا وبشعبنا، لا يستحق شعبنا هذا منا. لا يستحق شعبنا لا في أم الفحم ولا في حيفا ولا في غزة ولا في نابلس ولا في المخيمات هذا منا. لا يستحق منا أن نتواطأ مع إسرائيل في مرحلة تصفية وجودنا السياسي بتصفية دورنا السياسي طوعا.

عرب 48: كيف يجب أن يكون الرد برأيك؟

الرد على التهديدات الإستراتيجية من الدولة يجب أن يكون عبر ردود إستراتيجية، لكنّنا لا نريد. لأن هنالك من يرى أن الرد على العنصر الاستعماري في المواطنة يكمن في اللجوء إلى العنصر الاحتوائي منها، دون أن يدرك أن الاثنين يحملان المشروع ذاته تجاهه. هنالك من يقود العمل السياسي في الداخل الآن واعتاد القول "هنالك إسرائيليات وليس إسرائيل واحدة كما ترينها"، أي هنالك من يمثل شعبا معرّضا للتطهير السياسي وهو لا يقرأ الصراع الأساسي الذي يقع في صلب علاقته مع الدولة.

هناك من هم مصرّون على رؤية التبعية للمركز الإسرائيلي والتعاون معه كأساس لدورنا، يعكس هذا تماما عملية تحويل الهامش إلى مشروع سياسي، خروج كامل من السياسة، في التفاف 180 درجة على ما أنجزه الداخل منذ الانتفاضة الثانية من مسار انفكاك عن الصهيونية المعتدلة، باتجاه تحويل الفلسطيني إلى فاعل حاضر بقوة وجوده التي لا تستطيع أن تنفصل عن خطابه الوطني وسرديته التاريخية وعلاقته بالصراع.

الهامش المزدوج، الذي تكلمت عنه الزميلة هنيدة غانم، لم يعد هامشا مفروضا تفرضه علينا إسرائيل من جهة، ومقاطعة رام الله من جهة أخرى، الهامش أصبح مشروعا سياسيا نحمله.

وهناك من لا يعي أنّ اللجوء للاحتماء بالبعد الاحتوائي لا يعني استيعابك كجزء بل يعني ابتلاعك بعد اقتلاع شوكك لتسهيل الهضم، وبعدها أنت خارج المشهد بل خارج الوعي ولستَ جزءًا منه، فقط ضجيجك وتحديك وتطوير قواعد لعبة تكسر بها شرعية الود بيننا وبين الدولة قادرة على احتسابنا مجددا. استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية تبرز بوضوح كيف يخرج الفلسطينيون من أجندة اهتمام الإسرائيليين في فترات الهدوء والاسترخاء.

عرب 48: ولكن يجب ألّا نغفل أنّ التجمع الذي شكل رافعة وكاسر أمواج في مرحلة التراجع التي أعقبت أوسلو، ليس أنه عاجز عن لعب هذا الدور اليوم، بل أنّ غيابه وانخراطه في اللعبة إلى حد ما يزيد الوضع سوءًا؟

زعبي: يجب أن ندرك أنّه في علاقتنا مع إسرائيل نحن غير مخيّرين بين القبول والتأثير وبين عدم القبول وعدم التأثير، في علاقتنا مع إسرائيل "القبول" هو خارج اللعبة ويبقى السؤال حول كيف تؤثر.

كذلك، فإنّ تفوق الدولة – الأداة - على مشروعها التطهيري، ومحو المسافة بينها وبين المشروع الصهيوني يدفعك دفعًا لمحو المسافة بين خطاب المواطنة وبين السردية التاريخية لخطاب صاحب الوطن. وخطاب دولة كل مواطنيها الذي نحمله لا يستمدّ شرعيته ولا منطقه ولا منطلقاته السياسية ولا قوته العاطفية ولا قدراته التعبوية ولا قوته الأخلاقية من كوننا مواطنين، بل من كوننا أصحاب وطن.

وعندما نقول مشروع دولة المواطنين هو تنازل تاريخي نقصد تنازل تاريخي عن طرد المستعمرين وعن مطالبة تعويضات عن أملاك سرقت وأراضٍ نهبت وبيوت انتهكت وخصوصيات صودرت وحياة دمرت، لماذا نتنازل عن الأخير؟ الدولة العبرية تطالب بـ20 مليارد تعويضًا عن أملاك اليهود الذين بترتهم الحركة الصهيونية من أوطانهم، فلنبدأ نحن أيضا بجرد حساب تاريخي.

عرب 48: كيف نجحت إسرائيل في تفكيك عناصر برنامج المواجهة الذي صاغه وحمله وعمّمه التجمع وبالتالي استطاعت إعادة جماهير الداخل إلى مربع "السلام والمساواة" في دركه الأدنى، رغم "قانون القومية" ورغم صفقة ترامب ومشاريع الضم والتطبيع ومحاولات اغتيال القضية الفلسطينية؟

زعبي: حصار التجمع مستمر حتى الآن، وخفوت التحريض يعني نجاح الحصار وليس نجاح التجمّع. لقد عانى التجمع دائما من صوت فلسطيني في الداخل ينتقده، منطلقاته السياسية في أننا نعيش صراعا مع إسرائيل حتى ضمن المواطنة، وأن فعلنا الرئيسي داخل المواطنة هو فعل دؤوب وشاق ومكلف سياسيا لتفكيك وظيفة المواطنة التطهيرية والاحتوائية عن وظيفتها الإجرائية والمدنية، لقد انتُقِدَ التجمع من قِبَلْ من يقومون الآن بانتقاد الشلل السياسي للمشتركة، بأنه يصارع الدولة بدل أن يعاملها بطبيعية، كما باقي الأحزاب! وكأن الصراع مع إسرائيل هو قرارنا نحن وليس قرار الدولة. وكأن قرارنا بالتعامل مع الدولة كأي حزب معارض صهيوني يكفي لكي تتخلى الدولة عن مخططاتها التصفوية تجاهنا.

ومن الواضح أنّ التصفية السياسية للفعل السياسي الفلسطيني كانت الاستنتاج الأكبر لإسرائيل - الدولة والشارع معا - من هبة القدس والأقصى، ولا مجال لمواجهة ذلك دون إثارة الشارع الإسرائيلي، لا مجال في دولة ترى في حضورك السياسي تهديدًا إستراتيجيًا، وبالذات بعد الانتفاضة الثانية، لمعادلة "القبول والتأثير".

المعادلة الآن هي: "التأثير في ظل التحريض"، أو الخروج من الفعل السياسي. لكن الأولى تحتاج للكثير من الثقة بالنفس والتماسك الداخلي للحزب والمضي في طريق وطني متحدٍّ واضح لا يساوم، ويبني نفسه على أساس امتصاص الضربات وليس تلافيها. الموجود الآن هو عكس ذلك تماما.

لا أمل للمشهد السياسي الفلسطيني دون التجمع بحضوره الوطني القوي، ولا مجال للأخير دون مراجعات داخلية، ولا أريد الدخول في الموضوع أكثر، سوى القول إنّ المراجعات المطلوبة هي عكس ما يحصل الآن.

من اعتداءات الشرطة في هبة القدس والأقصى
من اعتداءات الشرطة خلال هبة القدس والأقصى

عرب 48: هناك اجتهادات تعطي للداخل الفسطيني دورًا أساسيًا في المشروع الوطني الفلسطيني أو في إعادة صياغته ومستقبله؟

زعبي: أنا لا أعتقد أن الداخل سيلعب دورًا مؤثرًا في المرحلة التصفوية الحالية، قيادة المشتركة اختارت الهامش خيارًا إستراتيجيًّا، أي اختارت عمليا الخروج من الفعل السياسي، بعضهم يفرض هذا الخط داخل حزبه، وبعضهم الأخر لا يقود شيئًا داخل حزبه. السؤال هو كيف ينخرط أو حتى يشارك الفلسطينيون في الداخل في عملية المراجعة القائمة الآن على مستوى الشعب الفلسطيني.

لم تعد الأسئلة السياسية الكبرى تستطيع أن تُسْأَل خارج شمولية المشهد الفلسطيني، ولم تَعُد هنالك أسئلة سياسية غير كبرى، نحن نعيش مرحلة إما أسئلة سياسية كبرى بكبر طبيعة المرحلة أو أسئلة مدنية صغرى بحجم بلديات ومجالس محلية ومهنيي صحة واقتصاد.

حتى ذلك الحين علينا أن نعرف أن كل سلوك نأخذه خارج سرديتنا التاريخية وبمعزل عن الصراع مع المشروع الصهيوني، وكل مواطنة نتعامل معها وفق حيز المشروعية الإسرائيلية وليس وفق ما يخرج عن المشروعية الإسرائيلية ويتصالح مع مشروعية صاحب الوطن، هو سلوك ليس فقط سيخسرنا وطنيًا ومواطنةً، بل هو سلوك سيعيق المسار التصويبي الوحيد الممكن بعد "صفقة القرن" وتبلور نظام عربي جديد به تخترق إسرائيل العالم العربي ولا تطبع معه.

عرب 48: يبدو أنّ هناك تلازما في الانهيار العربي والفلسطيني وصولا إلى داخل الداخل كما يحب البعض أن يسمينا وأنّ سياسات التطبيع والضم والأسرلة تسير معا؟

من قال إن إسرائيل ترى العالم العربي طبيعيًا أصلا؟ أو أنّها ترى نفسها جزءًا من المنطقة؟ من قال إنّها تريد الانسجام الطبيعي مع المنطقة أصلا؟ هي جزء من أوروبا أتت هنا لتستعمر وتتوسط وتستفيد من المصالح الغربية في المنطقة (لا تطبّع الفيلا مع الغابة، هي فقط تحوّل لبؤاتها وأسودها إلى زواحف وأرانب وتقطف ثمارها، لكنها لن تراها فيلا أبدا).

أقول إنّ سلوكنا الذي نحن فيه الآن، ليس فقط لن يفيدنا، لكنه سيضرب أي مسار تصويبي يسير به شعبنا في سائر أماكن تواجده، كيف يستطيع شعبنا الآن أن يطوّر خطابًا تحرريًا ديمقراطيًا شاملًا يستند إلى العدالة التاريخية وإلى مواجهة إسرائيل كمشروع تطهيري، ونحن جزء من الشعب الفلسطيني نمارس دورنا في أخفاء وتجاهل هذا البعد التطهيري في خطابنا وتصوراتنا السياسية؟

في هذه المحطة تظهر قوة المواطنة الإستراتيجية، فإذا كان "الدفاع عن النفس"، وتحويل القضية الفلسطينية لقضية إرهاب عالمي هو الرد الإسرائيلي المركزي دوليا وضمن أروقة المحاكم الدولية، فإنه يسقط في سياق المواطنة. خطاب المواطنة من الداخل هو الأقدر على فضح البعد التطهيري لهذه الدولة وعلى فضح علاقتها مع مشروع خارج عن مسألة المواطنة، كل الظروف تدفع لذلك، إسرائيل تعطينا كل الأدوات لتبرير ذلك أمام العالم وأمام شعبنا. الإصرار على تبييض المواطنة يفعل فعل التواطؤ مع عملية "صفقة القرن" ويضرب نضال شعبنا ضدها.



بين الاندماج والاستقلال: الاقتصاد العربي المرهون

بين الاندماج والاستقلال: الاقتصاد العربي المرهون

لماذا خيّب الجيل الجديد الآمال؟

لماذا خيّب الجيل الجديد الآمال؟

الاقتصاد العربي.. تحديات وتحولات ما بعد هبة القدس والأقصى

الاقتصاد العربي.. تحديات وتحولات ما بعد هبة القدس والأقصى

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

لجنة أور و

لجنة أور و"وهم التوجّه للعدالة"

في ظلال الانتفاضة... التعليم العالي لا يحل أزمة مجتمع

في ظلال الانتفاضة... التعليم العالي لا يحل أزمة مجتمع

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

"الدم واحد والوطن واحد"... مصلح أبو جراد وُلد في غزّة واستُشهد في أم الفحم

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

"أجيال ورا أجيال هتعيش على حلمنا"...

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

عقدان على

عقدان على "هبّة أكتوبر"