مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر
من تظاهرة مجد الكروم ضد العنف وتواطؤ الشرطة (أ ب)

قتل منذ العام 2000 حتى اليوم 1466 عربيًا جراء العنف والجريمة، ورغم عدم توفّر معطيات عن العقود التي سبقت هذين العقدين، إلا أن باحثين في علم الاجتماع يقولون إن هذه الظروف غير مسبوقة من قبل.

وكان لافتًا خلال التظاهرات التي جابت البلاد في خريف العام 2019 الماضي حمل شعارات تشير إلى تواطؤ الشرطة في جرائم العنف، وليس مجرّد تقصير أو إهمال. كما تشير الإحصائيّات إلى ارتفاع الجرائم التي وقعت في البلدات التي افتتحت فيها مراكز شرطة، مثل مجد الكروم.

وحول الأسباب والتحولات في الجريمة في المجتمع العربي منذ هبّة القدس والأقصى، كان هذا الحوار مع الباحث في علم الإجرام، دكتور وليد حداد، ومسؤول مركز "أمان" لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، المحامي رضا جابر.

"عرب ٤٨": أين وقع التحول لدى المؤسسة تجاه المجتمع العربي ولماذا؟

د. حداد: في العشرين عاما الأخيرة وتحديدا بعد هبة القدس والأقصى، قرّرت أجهزة الأمن وضع ملف الجريمة في المجتمع العربي على الرفوف، وأن يأخذ الجانب الأمني كل الحيّز، ماذا يعني؟ أن هناك تمييزًا بين السلاح الجنائي والسلاح الأمني. هبّة القدس أبرقت إلى الدولة رسالة مفادها أنّ شعبنا صاحب وعي سياسي، وهناك من كتب أنّ له نزعات تحررية، ونزعات ضد سياسة الدولة العليا، ومع كل المحاولات من المسؤولين العرب لتهدئة الوضع إلا أنّ الضوء الأحمر كان يسطع لدى الأجهزة الأمنية.

"عرب ٤٨": هل نشر السلاح سياسة مقصودة؟ أو على الأقلّ السماح بتغلغله في المجتمع؟

د. وليد حداد
د. وليد حداد

د. حداد: قلتُ في مقابلة نشرت في صحيفة "فصل المقال" في العام 2000 أنّ الجريمة سوف تتغلغل في مجتمعنا، لأننا في مرحلة ما سوف نتحول إلى أقليّة مهمّشة، وهذا كان الهدف.

في العشرين عاما أيقن المجرمون أنه إذا كان هدفهم جنائي فهم في طريق سليم، وإذا ضُبطوا في قضايا سلاح جنائية، حُكموا لأشهر قليلة، ونفسهم إذا تورطوا في ملف أمني، فتكون العقوبة أشد بكثير.

أذكر حالة تعاملت فيها مع ضابط في الجيش كان يبيع سلاحا لمنظمات إجرامية في المجتمع لعربي لمدة 15 عاما ولم يحاكم، ولكن في العام 2002 ضبط وهو يهرب عُلبة رصاص إلى جنين، ومع أنّ هدفه جنائي ومن أجل المال، إلا أنه حوكم أمنيا بشدّة هو ومن معه، هنا نستنتج أن عُلبة رصاص أغلى من أرواحنا، ومن هذا المنطلق بدأت تتغلغل الجريمة.

"عرب ٤٨": إذا، هل المنظمات الإجرامية في المجتمع العربي صنيعة الدولة أم أنها صنيعة هذا الواقع الذي تحكمه مؤسسة متقاعسة، في ظل تهميش صارخ؟

د. حداد: وقعت في العام 2004 محاولة لقتل رئيس المافيا زئيف روزنيشطاين، عبر تفجير عبوّة ناسفة داخل بناية كبيرة في تل أبيب، حينها أطلقوا على العملية مصطلح جديد وهو "الإرهاب الجنائي" ومن هنا تغيرت قوانين اللعبة، بدأت المؤسسة بملاحقة هذه المنظمات في كل مكان حتى قضت عليها، وماذا حصل بعد؟ هذه المنظمات كان لها جنود عرب أو نسميهم "مقاولين درجة ثانية". هؤلاء المقاولون أو الجنود تحولوا إلى رؤساء عصابات، ومسكوا زمام الأمور وبنوا منظماتهم داخل بلداننا العربية.

"عرب ٤٨": هل في مرحلة ما، متوقع ان تعمل الدولة ضد هذه المنظمات الاجرامية؟

د. حداد: يمكن لقواعد اللعبة أن تتغيّر فقط حين يختلط السلاح الأمني مع الجنائي، شهدنا في حادثة نشأت ملحم، الذي كان صاحب أسبقيات جنائية، الدولة وقتها لم تكترث بأن تحقق معه مع أنهم كانوا يستطيعون اعتقاله لأنه عمل فردي وليس خلية، ولكنهم أرادوا إغلاق الملف، لأن حالة من اللغط في التفاصيل كونهم غير واثقين من أن العملية هي ذات دوافع جنائية أو أمنية.

"عرب ٤٨": هل هناك علاقة بين الواقع الذي نعيشه، وبين الحاجة لحمل السلاح؟

د. حداد: السلاح الموجود في مجتمعنا بغالبيته هو سلاح ليس للدفاع أو الحماية، إنما هو للإرهاب والترهيب ولحل الخلافات حتى الصغيرة منها، وعلى الطريق تُحصد أرواح الناس، بالإضافة إلى منظمات الجريمة فيستمر العمل بأريحية ويكبر.

"عرب ٤٨": ماذا عن القيادة ودورها؟

د. حداد: بعد وقوع الجريمة الثلاثية بمجد الكروم، حصلت احتجاجات ضخمة وهذا أمرٌ راقٍ جدًا، لأنّ مجتمعنا للمرة الأولى ينتفض في قضية مدنية اجتماعية وليست سياسية، من أجل حياته، وتفاءلت جدا، ولكن ما حدث أنّ قياداتنا بغباء سياسي أو حسن نية وقلة معرفة سياسية، امتصّت غضب الشارع، حين جلست مع وزير الشرطة (الأمن الداخلي، غلعاد إردان، حينها) الذي وعدهم بالفراغ. هل ممكن أن نتوقع أن تنزل الناس مرة أخرى الشارع من أجل الجريمة، أبدًا لا.

"عرب ٤٨": ما الحلُ إذا؟

د. حداد: لا يوجد حل سحري، ولكن يجب أن يكون لدينا رادع كمجتمع، وأن يستعمل سلاح المقاطعة، ولكننا للأسف لا نستعمله، نعم سنستمر بالمطالبة من المؤسسة وتذكيرها بتقاعسها، ولكن الدولة تعلم أنه لا يمكن لشعبنا أن يتحرر من الجريمة طالما قيادته تتعامل مع الأمر بكفوف من حرير. ثقافة "العربدة" هي الأساس في مصيبتنا متى تخلصنا منها سنجبر الدولة أنّ تقف بجد في هذه القضية.

من قمع الشرطة الإسرائيلية لهبة القدس والأقصى
من مواجهات هبة القدس والأقصى

عن علاقة المجتمع بالدولة

"عرب ٤٨": الإحصائيات الموجودة في مجتمعنا حول الجريمة، موثقة منذ العام 2000 أي ما بعد أحداث أكتوبر، لماذا هذا العام؟

المحامي رضا جابر
المحامي رضا جابر

جابر: سنة 2000 هي سنة مهمة في موضوع الجريمة والعنف لسببين: الأول لأنها سنة حاسمة بالنسبة لجوهر علاقتنا مع الدولة وأغلبيتها، ففيها برزت بشكل واضح كعلاقة صراع جوهري ومكشوف. والعلاقة بين الأمرين علاقة وطيدة. طبعا علاقتنا مع الدولة دائما كانت كذلك ولكن هبّة القدس والأقصى غيرت مسارها إلى مسار يتّسم أكثر بسياسة المراقبة والسيطرة وعدم التعامل مع المشاكل المتراكمة داخل البلدات العربية، وذلك بعكس توصيات "لجنة أور"، وخصوصا تعامل الشرطة مع المجتمع العربي.

"عرب ٤٨": كيف أثّرت الهبّة على المجرى الأمني في مجتمعنا؟ هل هذا نابع من الشرخ الذي حصل في العام 2000 بين المجتمع العربي والمؤسسة بطبيعة الحال؟ أم أن هذا مقصود؟

جابر: الجريمة تنمو في بيئة معينة أو ما أسميه الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أي توافر الظروف التي تجعلها تجد موطئ قدم. كلما وجدت الجريمة ضعفًا استقوت، وكلما وجدت مساحة سيطرت عليها. انسحاب المجتمع وانسحاب الدولة من مواجهة الجريمة سواءً المباشر أو الوقائي، بمعنى التعامل مع الظروف الجذرية، هو ما مكّن الجريمة من الاستفحال إلى درجة الأخطبوط. أنا أربط هذا الانسحاب من المواجهة بأنه مرتبط بظروف أحداث 2000 ونتائجها. أقصد بأنّ لحظة الانسحاب هي عام 2000، ولكن العوامل الأعمق هي تراكمات سبقت ذلك، وهي إفرازات عملية تطور المجتمع العربي على هامش المجتمع الإسرائيلي بدون أيّة عملية توجيه وتخطيط مجتمعية داخلية.

"عرب ٤٨": وماذا أرادت المؤسسة من نشر الجريمة وعدم كبحها؟ هل هي عقاب أم محاولة إخماد شرارة ما بدأ في هبة القدس والأقصى؟

جابر: عندما نحلّل الظرف من منطق الصراع، فإن النتيجة البديهية تكون بأن صاحب النفوذ والسلطة يرغب في ضعف منافسه وأن يبقيه عند مستوى معين من الضغط والحاجة، إلى الدرجة التي تخدم سيطرته. ولكن أحداث 2000 هي التي أُبرزت بعد الصراع إلى مركز سياسة الدولة معنا، وبالتالي أصبح التعامل مع الجريمة على أنها جزء من الصراع وليس فقط ضائقة اجتماعية.

الجريمة والعنف في حالة تطور مستمرّ، ولعل أخطر تطور هو عندما يدخل منطق الإجرام دورة حياة الناس العادية فالجريمة تتحول من مشكلة إلى حلّ أي بأن تقتنع الناس بأن العنف والجريمة هما أفضل وأنجع طريق لحل المشاكل بسبب ضعف حالتنا وغياب مؤسسات رسمية ومجتمعية تعالج مشاكل الناس وتقدم حلول سريعة وناجعة.

"عرب ٤٨": ماذا عن السلاح في المجتمع ونشره أو عدم إيقاف انتشاره؟

جابر: أعتقد بأنّ الأمر يتعلق بتغيير جوهري في سياسة الأجهزة الأمنية لموضوع السلاح. حتى سنوات 2000 كان السلاح يُعتبر مسبقا بأنّه سلاح أمنى إلا إذا أثبت الشخص بأنّه جنائي. اليوم نقطة انطلاق تعامل الدولة مع الموضوع بأنه جنائي وليس أمنيًا، ولذلك ما دام لا يهدد الأغلبية وأمنها فإنه، حسب منطق الصراع، يمكن التغاضي عنه أو "تحمل" وجوده.

"عرب ٤٨": هل للقيادة حيلة في هذا السياق؟ وأين وقع الفشل في كبح جماح هذه الظاهرة؟ ماذا عن دور المجتمع؟

جابر: تتبّع التحليل الذي أدعو له يفضي إلى نتيجة صعبة، وهي بأن أشكال العنف والجريمة لن تحلّ إلا بجهد مجتمعي دون انتظار الدولة. هذا لا يعني عدم المطالبة وإجبار الدولة على القيام بواجباتها، فهي صاحبة المسؤولية العامة. ولكن الدولة لن تتحرك إلّا إذا قمنا بتنظيم أنفسنا، والإجرام لن يتنازل عن إنجازاته إلا إذا دفع ثمنا مجتمعيا باهظا. لا يوجد مجرم أقوى من مجتمع منظم ومصرّ على المواجهة. دور القيادة هو بتنظيم المجتمع وخلق حالة إصرار وجرأة أمام المجرمين وأيضا تقديم حلول للناس عوضا عن المجرمين.



بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

لجنة أور و

لجنة أور و"وهم التوجّه للعدالة"

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

"الدم واحد والوطن واحد"... مصلح أبو جراد وُلد في غزّة واستُشهد في أم الفحم

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

"أجيال ورا أجيال هتعيش على حلمنا"...

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

عقدان على

عقدان على "هبّة أكتوبر"