التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة

التحوّلات السياسية بعد هبة القدس والأقصى: أزمة قيادة
من قمع الهبّة في الناصرة (أرشيف "عدالة")

عمّت التظاهرات والمواجهات البلاد في تشرين أوّل/أكتوبر عام 2000، على جانبيّ الخطّ الأخضر على حدٍّ سواء. وبينما استمرّت الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزّة أربع سنوات تقريبًا، خمدت داخل الخطّ الأخضر بعد شهرٍ تقريبًا، وأصبحت تعرف بهبّة القدس والأقصى.

لكنّ شهر الاحتجاجات هذا، على قصره، أحدث زلزالًا سياسيًا هزّ المؤسسة الإسرائيليّة، لناحية ردّ فعل الشارع داخل الخطّ الأخضر وتوحّده بشكل تلقائي وعفوي، والتحامه مع الأراضي المحتلة عام 1967، رغم سنوات الاحتلال الطويلة.

والحال كذلك، تغيّر الخطاب السياسي للفلسطينيين داخل الخطّ الأخضر، بين مشروعين سياسيّين يسعى أحدهما إلى تمثيل الفلسطينيين بينما يسعى الآخر إلى تنظيمهم، كما يقول مدير العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة - "مدى الكرمل"، د. مهنّد مصطفى، في هذا التقرير.

وبينما شهد مطلع القرن الجاري نقاشات سياسيّة جديّة، حول المواطنة وحدودها وأهميّة الارتباط الوثيق بين الشعب الفلسطيني، في كافة أماكن وجوده، لا يزال هذا النقاش افتراضيًا، بل أنه تراجع إلى مستوى أقل، وهو ما تعزوه مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، د. هنيدة غانم، بالأساس إلى "أزمة القيادة"، كما ستورد في التقرير الآتي.

مصطفى: غياب سياسات التنظيم يؤدي إلى أسرلة المجتمع

ويقول مصطفى إنّ الانتفاضة "حملت مشاركة جماعية للناس بوعيّ وطني، وبحس جماعي. حيث أن الوعي لا يكفي بدون الحس الذي يرافقه، هذا المزيج بين الوعي العقلاني بقضايا المجتمع، والشعور بالانتماء له ميّز سلوك الناس في الأحداث. مثلت الانتفاضة ما نفقده اليوم، تداخُل الناس في العمل السياسي، مقابل العزوف عنه اليوم. مشاركة الناس في النضال الشعبي واقتصاره على شريحة صغيرة اليوم. وجود قيادة تقود ولا تنقاد، قيادة لديها مشاريع سياسية وطنية، أمام مشاريع لقيادات تحاول نزع السياسة عنها. والسياسة بمفهوم وجود حالة تسييس نابعة من الانتماء إلى مشروع وطني فلسطيني، يحمل تنوعًا أيديولوجيًا داخله، لكن تقويه ثوابت وطنية مشتركة، أهمها أن قضايا الفلسطينيين في مناطق الـ48، هي جزء من القضية الفلسطينية ولا يمكن الفصل بينهما".

"عرب ٤٨": هل هذا التغيير نتاج تغيير سياسي في المجتمع الفلسطيني؟

د. مهنّد مصطفى
د. مهنّد مصطفى

أدركت إسرائيل أن الانتفاضة هي حدث مفصلي. وإذا استمرت روحها بالحضور سيكون العرب غير العرب الذين عرفتهم قبل ذلك. تبنت إسرائيل إستراتيجيتين في التعامل مع هذه الحقيقة، وكلا الإستراتيجيّتين تصبّان في تحقيق هدف واحد، تفكيك المشروع السياسي الجامع والجماعي للفلسطينيين في الداخل. الإستراتيجية الأولى هي تجريم العمل السياسي، وملاحقة حركات وقيادات سياسية تشدّد في خطابها على تنظيم الجماهير الفلسطينية. وشهدنا خلال العقد الأول بعد الانتفاضة، حملة حثيثة وكثيفة في ملاحقة حركات وقيادات سياسية، وحتى ناشطين سياسيين.

أمّا الإستراتيجية الثانية فهي مركبة جدًا. وتتمثّل في دمج الفلسطينيين كأفراد في المجتمع الإسرائيلي. عملت مؤسسات الدولة على إفساح المجال لدمج العرب في الاقتصاد كأفراد، دون تمكين العرب من بناء اقتصاد عربي حتى لو كان على نطاق محلي. ينطلق هذا التوجه من أنّ الأدوات الاقتصادية الليبرالية تفكك المجتمع إلى أفراد، صحيح أنهم أفراد متميّزون وناجحون، ولكننا نعلم أن التميز الفردي لا يلغي التمييز الجماعي، هذه قاعدة تعلمناها من كل تجارب المجموعات المقموعة في العالم. وكل سياسات اقتصادية ليبرالية، ليس هنا فقط، تؤدي إلى تفكيك المجتمع بما هو مجتمع متضامن، لديه مشروع جماعي، حيث يتفكك إلى مشاريع فردية. والمشاريع الفردية هي مشاريع مشروعة طبعا، ولكنها لا تصبّ في مشروع جماعي، وهذه النقطة التي تهمنا.

"عرب ٤٨": صنّف الحدث مفصليًا في تاريخ المجتمع العربي الفلسطيني بل على المستوى الفلسطينّي ككلّ أيضًا، فأين الخطأ؟

لم نستغل هذا الحدث المفصلي ونعيد قراءته وفهمه سياسيا، من خلال السعيّ إلى تنظيم المجتمع العربي عبر بناء مؤسسات وطنية جامعة وتفعليها. لم يكن قصورنا فوريا، بل تراكم حتى وصلنا إلى المرحلة الحالية التي فيها تعظيم لسياسات التمثيل على حساب سياسات التنظيم، تمثيل المجتمع في مؤسسات الدولة مقابل تنظيم المجتمع. توضحت هذه التوجهات منذ عام 2015، مع تأسيس القائمة المشتركة والتي أثرت كثيرا على التجمع الوطني الديمقراطي، الذي فقد الكثير من تأثير خطابه السياسي جراء القائمة المشتركة، وحُظرت الحركة الإسلامية قبل ذلك، فتراجع وضعف صوت وتوجه سياسات التنظيم أمام خطاب التمثيل، مع التأكيد أن رسالة انتفاضة القدس والأقصى كانت تطالبنا بتعظيم سياسات التنظيم.

وتابع مصطفى أنّ "سياسات التمثيل وغياب سياسات التنظيم، تؤدي إلى أسرلة المجتمع، باعتبار أن خياره للتقدم يكون عبر الاندماج في اللعبة الإسرائيلية حصرا، فضلا عن أن هذا الاندماج يكون فرديا، لأنه لا يمكن أن يكون الاندماج جماعيًا، فقط اندماج فردي. لذلك تظهر في مجالنا العام، قيم التميز الفردي، التفوق والنجاح الفردي، الإنجاز الفردي، ويتم تعظيم هذه الفردانية، ولكن ما مردود ذلك على الحالة الجماعية؟ ضئيل جدًا".

وختم الباحث مصطفى قائلا "الأسرلة هنا ليست تشوّهًا في الهوية بالضرورة، قد يكون صاحبها يملك الوعي الوطني أو الحس الديني، ولكن مقصدها أن الخلاص هو فردي وليس جماعيا، الخلاص هو الاندماج كفرد متميز ومتفوق وناجح، وليس ضمن بناء مشروع سياسي جماعي. الأسرلة بوعي هي نزع السياسة عن المشروع الخلاصي الفردي. ولإذا نزعت السياسة عن تفكيرك، قلّ انتماؤك لمشروع سياسي جماعي".

غانم: غياب التخطيط العملي مأساة

د. هنيدة غانم
د. هنيدة غانم

بينما تقول مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، د. هنيدة غانم، حول التحولات السياسية في المجتمع العربي، منذ أكتوبر2000 واليوم "هناك ظروف محليّة لا يمكن فصلها عن الإطار العام للتحولات في الشعب الفلسطيني، المتأثر بطبيعة الحال بالتأثرات الإقليمية والعالمية، وأهمّها في طبيعة المشروع الصهيوني وعلاقاتها مع العامل الإمبريالي والثيولوجي، الذي يتقاطع ما بين الصهيونية الدينية والمسيحية الصهيونية المسيطرة في الولايات المتحدة. إذًا نتحدّث عن ظروف موضوعية متعلقة بالمشروع الصهيوني وعلاقتها الدولية المؤثرة على المشروع الفلسطيني وحتى دفع المشروع الفلسطيني للانهيار، وفلسطينيو الداخل هم جزء من هذا المشهد ككل، مشهد التغول لتيار اليمين الفاشي في العالم كله، وإسرائيل هي وجه هذا التيار".

وتابعت د. غانم "بين عام 2000 واليوم هناك تغييرات متناقضة، من جهة نلاحظ تمسكًا أكثر بفكرة المواطنة والعمل من خلال أطر المواطنة، ومن جهة أخرى نرى أفكارًا كانت على الهامش وتتّسع، ترى بأنّ البديل هو حل الدولة الواحدة وتجاوز بنية النظام الحالي المصنف كأبرتهايد".

"عرب ٤٨": لماذا نلاحظ غياب مشروع وطني جامع، أو حتى نضال وطني جامع رغم وجود اتحاد سياسي هو القائمة المشتركة؟

ما نلاحظه اليوم هو أزمة قيادة، لا توجد قيادة كاريزمية تستطيع قيادة مشروع، حتى القائمة المشتركة هي عبارة عن قيادة لتيارات مختلفة لم تستطع تجاوز الائتلاف نفسه نحو قيادة، وتقوقعت ضمن مشروع التحالف بين الأحزاب، وأنّنا معا وكأنها نهاية الطريق، علما أنّ هذا يفترض أن يكون البداية نحو قيادة مشروع مشترك، حاليا ما نراه هو إدارة الاختلاف في القائمة المشتركة أكثر من تشكيل قيادة لمشروع بديل.

هل تراجعت الروح النضالية داخل مجتمعنا الفلسطيني عمّا كانت عليه في عام 2000؟

لا يمكن التطرق لأحداث أكتوبر محليًا فقطـ. ما حدث في أكتوبر 2000، الشهداء الذين دفعوا دماءهم، ومن جهة أخرى، هبّة أكتوبر ألغت الخط الأخضر حتى مرحلة معينة وفي مراحل لاحقة أعيد هذا الخط، ولكن حينما أعيد الخط الأخضر مجدّدًا، وكأنه أجرى كيًّا للوعي العام، بمعنى أرهب الناس بخصوص مدى المواجهة مع الدولة وكيف يمكن أن تتطور هذه المواجهة، وقد يكون هذا عامل من الردود المتناقضة التي تحّدثنا عنه، من جهة التمسك بما يعرف بالخط الأخضر بين الفلسطينيين في الداخل ومناطق الـ67، ومن جهة أخرى محاولات لتجاوزه من جهات أخرى، هذا إضافة إلى أزمة القيادة التي يعشيها مجتمعنا على الصعيد المحلي. ومن جهة أخرى، دوليًا، لدينا أزمة عالمية، في واقع عالمي يقوده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشكل غير عقلاني، ومهما تصرّف الشعب الفلسطيني ككل بصورة عقلانية فهو يدير أزمة مقابل قيادة غير عقلانية، وأي عمل يمكن أن يتبع مع قيادة عالمية غير عقلانية مصيرها الفشل.

وختمت د. غانم "المأساة أنّنا، محليًا وكشعب فلسطيني بصورة عامة، نعي المرحلة تماما، ونعي المتغيرات العالمية وحيال ذلك غاب التخطيط العلمي للعمل، بل محاولة تجاوز مراحل زمنية، بمعنى هي 5 سنوات وسيذهب ترامب أو غيره، وكذلك في الداخل الرهان على انتهاء حقبة نتنياهو، وليس إنتاج برنامج عمل وحدوي، وبناء المؤسسات والبنية الأساسية للمجتمع لتكون بديلا، من الواضح أن هناك أمورًا أكبر من مجتمعنا، ولكن هناك الكثير مما يمكن عمله ولم نقم به، الفارق اليوم لدينا قائمة مشتركة يمكن العمل على أساسها، هناك قيادة ولكن مأساتها أنها تفتقد إلى الكاريزمية وتفتقد إلى القيادة الكاريزمية وتعمل كأنها أداة مكتبية أكثر من كونها مولدًا لحراك مجتمعي ومشروع جماعي".



بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

بين الدور الإستراتيجي للداخل وبين نقيضه

لجنة أور و

لجنة أور و"وهم التوجّه للعدالة"

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

في سؤال التسميات والجوهر: بين هبة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

حنين زعبي في عشرينية الهبّة: لن تنجح مدنيا طالما أنّك تفشل سياسيا

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

هبة القدس والأقصى: محطة فارقة... لم تُستثمر

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الطريق للخروج من متلازمة الفشل

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

مرحلة مفصلية: تحولات الجريمة في المجتمع العربي بعد هبة أكتوبر

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

عائلة الشهيد يزبك: جُرحنا لم يندمل ولا عزاء إلا بمحاسبة القتلة

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

تقرير مصوّر | ماذا تعرف الأجيال الناشئة عن هبة القدس والأقصى؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

محاولات تقزيم الهبة.. تخدم من؟

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

أكتوبر 2000: الموروث الاستعماري للشرطة الإسرائيلية وحياة الفلسطيني

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

هبة القدس والأقصى: زيارات لعائلات وأضرحة الشهداء

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

شهداء هبّة القدس والأقصى... 20 عاما من الغياب المفعم بالحضور

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

الذكرى الـ20 لهبة القدس والأقصى: فعاليات رقمية ووقفات ببلدات عربية

"الدم واحد والوطن واحد"... مصلح أبو جراد وُلد في غزّة واستُشهد في أم الفحم

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

بعد عشرين عامًا: هل بوسعنا استرداد معاني الهبة؟

"أجيال ورا أجيال هتعيش على حلمنا"...

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

هل تلوح بالأفق انتفاضة ثالثة بعد عقدين على الثانية؟

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

الانتفاضة الثانية... الانسداد ذاته

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

عشرينيّة هبة القدس والأقصى: الشهداء ليسوا أرقامًا ولا ذكرى

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

هبّة الأقصى والتعامل مع النتائج والمسببات 

عقدان على

عقدان على "هبّة أكتوبر"